الخ. كما يمكن أن يقال: إن المخلصين من أهل الْإسْلَام والْيَهُود والنصارى من كان منهم
على دينه الخ. وأما المُنَافقُونَ فإمكان ذلك في حقهم مشكل مع أنه جعل الَّذينَ آمَنُوا عامًا
للْمُنَافقينَ، إلا أن يقال هذا من قبيل الحكم عَلَى الجميع بحكم البعض، فالْمُرَاد ما عدا
المنافق لكنه حكم عَلَى الجميع لظهور الْمُرَاد لكنه بعيد جدًا في مثل هذا المقام، ولم
يلتفت إلَى هذا الوجه الزَّمَخْشَريّ؛ لأن الصابئين عنده ليسوا من أهل الْكتَاب فلم يصح أن
يقال من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ، إلا أن يقال ما مَرَّ في شأن الْمُنَافقينَ مع بعده
وقيل من كان منهم في دينه أي الدين الذي ينتسب إليه مخلصًا كان فيه أولًا فيتناول
المنافق والمخلص من الْمُسْلمينَ قبل أن ينسخ ذلك الدين كله كالأديان الْمَاضية أو بعضه
كدين مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - أو الْمَعْنَى قبل أن ينسخ إن قبل النسخ وهذا ضعيف؛ إذ لا كلام في تناوله
المنافق عَلَى ما اختاره المص، وإنما الْكَلَام في صحة أن يقال في حقهم إنه من كان في
دينه قبل أن ينسخ الخ. إذ لا دين للمنافق يثاب به، ويترتب عليه عدم الخوف والحزن
والتفصي عنه بما ذكرناه وإن كان بعيدًا، وأما قوله وكذا المنافق إذا ترك النفاق وآمن باللَّه
واليوم الآخر وعمل صالحًا ومات ثم نسخ بعض الأحكام فهو داخل في هذا الحكم أَيْضًا
أي كما أن الْمُؤْمن المخلص داخل في ذلك الحكم فهو غريب جدًا؛ إذ الْمَعْنَى عَلَى هذا
التوجيه الأول أن المنافق إذا ثبت في دينه الظَّاهر كما ثبت المخلص والْيَهُود والنصارى
في دينهم وماتوا قبل أن ينسخ دينهم فيثابون ويترتب عليه عدم الخوف والحزن، ولا يخفى
أن هذا غير ممكن في شأن الْمُنَافقينَ وترك نفاقهم غير مأخوذ في هذا التوجيه بل هو
معتبر في التوجيه الثاني كما ستعرفه، عَلَى أنه إن ترك النفاق وآمن باللَّه واليوم الآخر يكون
من جملة المخلصين الداخلين فيهم، فلا وجه حِينَئِذٍ في جعلهم مقابلين للمؤمن المخلص
ولا يخفى أن بيان حال من مضى عَلَى دين سماوي قبل أن ينسخ ومدحهم بإثبات الأجر
لهم والأمن من الحزن فيه كمال ترغيب في دين الْإسْلَام لأن من كان عَلَى حق وعلى
انقياد لكتاب ونبي ممن مضى في القرون الخالية، وإن صاحب هذه الملة إذا كان حاله
اتباع الحق في سرور وأمن ونعمة وراحة يحصل التنشيط والترغيب في اتباع الْقُرْآن ودين
الْإسْلَام، أَلَا [تَرَى] أنه تَعَالَى مدح أهل الْكتَاب في أول هذه السُّورَة الكريمة عَلَى [[توجيه] ]
وبالْجُمْلَة الْقُرْآن الحميد مشحون ببيان أحوال السعداء والأشقياء من الأمم الْمَاضية ترغيبًا
لهذه الأمة في دين الْإسْلَام وترهيبًا لهم بالمقايسة عَلَى الفريقين والعجب من صاحب
الإرشاد أنه اعترض عَلَى المصنف اعتراضًا يتحير فيه العقول ويخالف النقول. نعم يرد عَلَى
المص أن الأولى عدم التعرض للْمُنَافقينَ بل الصابئين، وقد عرفت وجهه وشيد أركانه؛ إذ
الحكم عَلَى الجميع بحكم مختص بالبعض كثير شائع في كلام البلغاء لا سيما في كلام
اللَّه تَعَالَى، لعل وجهه أنه لما كان المُنَافقُونَ مع المخلصين ظاهرًا جمع في الحكم ظاهرًا
توبيخًا لهم وتهكمًا بهم. قال المصنف في سورة طه في قَوْله تَعَالَى(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ
وَلَدًا)يحتمل الوَجْهَيْن لأن هذا لما كان مقولًا فيما بين النَّاس جاز أن
ينسب إليهم سواء كانوا سعداء أو أشقياء وهذا ليس ببعيد من ذلك.