فصل
قال الفخر:
"الأماني"جمع أمنية ولها معانٍ مشتركة فِي أصل واحد، أحدها: ما تخيله الإنسان فيقدر فِي نفسه وقوعه ويحدثها بكونه، ومن هذا قولهم: فلان يعد فلاناً ويمنيه ومنه قوله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً} [النساء: 120] فإن فسرنا الأماني بهذا كان قوله: (إلا أماني إلا ما هم عليه من أمانيهم فِي أن الله تعالى لا يؤاخذهم بخطاياهم) وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.
وثانيها: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد، قال أعرابي لابن دأب فِي شيء حدث به: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته.
وثالثها: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} أي إلا ما يقرأون من قوله: تمنى كتاب الله أول ليلة.
قال صاحب"الكشاف"والاشتقاق منى من، إذا قدر لأن المتمني يقدر فِي نفسه ويجوز ما يتمناه، وكذلك المختلق والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا، قال أبو مسلم: حمله على تمني القلب أولى بدليل قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: 111] أي تمنيهم.
وقال الله تعالى: {لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] وقال: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ برهانكم} [البقرة: 111] وقال تعالى: {وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلاّ يظنون} [الجاثية: 24] بمعنى يقدرون ويخرصون.