الأول: أنا إن قرأنا: {اهبطوا مِصْرًا} بغير تنوين كان لا محالة علماً لبلد معين وليس فِي العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علماً وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث ، فإنهما لما جاءا علمين كان حملهما على العلمية أولى.
أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع ذلك اسم علم ونقول: إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما فِي نوح ولوط فيكون التقرير أيضاً ما تقدم بعينه ، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى: {اهبطوا مِصْرًا} يقتضي التخيير كما إذ قال: أعتق رقبة فإنه يقتضي التخيير بين جميع رقاب الدنيا.
الوجه الثاني: أن الله تعالى ورث بني إسرائيل أرض مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم ، قوله تعالى: {فأخرجناهم مّن جنات وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} إلى قوله: {كَذَلِكَ وأورثناها بَنِى إسراءيل} [الشعراء: 57 59] ولما ثبت أنها موروثة لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها لأن الإرث يفيد الملك والملك مطلق للتصرف.
فإن قيل: الرجل قد يكون مالكاً للدار وإن كان ممنوعاً عن دخولها بوجه آخر ، كحال من أوجب على نفسه اعتكاف أيام فِي المسجد ، فإن داره وإن كانت مملوكة له لكنه يحرم عليه دخولها ، فلم لا يجوز أن يقال: إن الله ورثهم مصر بمعنى الولاية والتصرف فيها ، ثم إنه تعالى حرم عليهم دخولها من حيث أوجب عليهم أن يسكنوا الأرض المقدسة بقوله: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} قلنا الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف الدليل ، أجاب الفريق الأول عن هاتين الحجتين اللتين ذكرهما أبو مسلم فقالوا: أما الوجه الأول فالجواب عنه أنا نتمسك بالقراءة المشهورة وهي التي فيها التنوين.