الرابع: أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى الأرض} [المائدة: 26] فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها.
فإن قيل: هذه الوجوه ضعيفة.
أما الأول: فلأن قوله: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} أمر والأمر للندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر ، أما الثاني: فهو كقوله: {كَتَبَ الله لَكُمْ} فذلك يدل على دوام تلك الندبية.
وأما الثالث: وهو قوله تعالى: {وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم} فلا نسلم أن معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران.
الأول: المراد لا تعصوا فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصى فيما يؤمر به: ارتد على عقبه.
والمراد من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى.
الثاني: أن يخصص ذلك النهي بوقت معين فقط.
قلنا: ثبت فِي أصول الفقه أن ظاهر الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على هذا الأصل ، وأيضاً فهب أنه للندب ولكن الإذن فِي تركه يكون إذناً فِي ترك المندوب ، وذلك لا يليق بالأنبياء.
قوله: لا نسلم أن المراد من قوله: {وَلاَ تَرْتَدُّوا} لا ترجعوا.
قلنا: الدليل عليه أنه لما أمر بدخول الأرض المقدسة ، ثم قال بعده: {وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم} تبادر إلى الفهم أن هذا النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر.
قوله: أن يخصص ذلك النهي بوقت معين ، قلنا: التخصيص خلاف الظاهر ، أما أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه بوجهين.