فصل
قال الفخر:
القراءة المعروفة: {اهبطوا} بكسر الباء وقرئ بضم الباء، القراءة المشهورة: {مِصْرًا} بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه كقوله: {وَنُوحاً هَدَيْنَا وَلُوطاً} [الأنعام: 84، 86] وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد، فما فيه إلا سبب واحد، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش: {اهبطوا مِصْرًا} بغير تنوين كقوله: {أَدْخِلُواْ مِصْرًا} واختلف المفسرون فِي قوله: {اهبطوا مِصْرًا} روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ترك التنوين، وقال الحسن: الألف فِي مصراً زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل على ما هو المختص بهذا الاسم وهو البلد الذي كان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية والربيع، وأما الذين قرؤوا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا، فمنهم من قال: المراد البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله فِي نوح ولوط، وقال آخرون: المراد الأمر بدخول أي بلد كان كأنه قيل لهم ادخلوا بلداً أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء، وبالجملة فالمفسرون قد اختلفوا فِي أن المراد من مصر هو البلد الذي كانوا فيه أولاً أو بلد آخر، فقال كثير من المفسرين: لا يجوز أن يكون هو البلد الذي كانوا فيه مع فرعون
واحتجوا عليه بقوله تعالى: {ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم} [المائدة: 21] والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه.
الأول: أن قوله تعالى: {ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ} إيجاب لدخول تلك الأرض، وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى.
والثاني: أن قوله: {كتاب الله} يقتضي دوام كونهم فيه.
والثالث: أن قوله: {وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم} صريح فِي المنع من الرجوع عن بيت المقدس.