وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنسرين اثنا عشر فرسخاً فِي ثمانية . ومصر إما مصر فرعون ، والتنوين فيه فِي القراءات المعتبرة مع أن فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما فِي نوح ولوط ، وفيهما العلمية والعجمية . وإما مصر من الأمصار كأنه قيل لهم: ادخلوا بلداً أيّ بلد كان لتحدوا فيه هذه الأشياء . ولما ذكر الله سبحانه صنوف نعمه على بني إسرائيل إجمالاً ثم تفصيلاً ، أراد أن يبين مآل حالهم ليكون عبرة للنظار وتبصرة لأولي الأبصار وتحذيراً للإنسان عن الجحود والكفران المستتبعين للخزي والهوان فقال {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} أي جعلت محيطة بهم مشتملة عليهم كالقبة المضروبة على الشخص ، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلصق به . فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة ، إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية . وهذا من جملة الأخبار عن الغيب الدال على كون القرآن وحياً نازلاً من السماء على محمد صلى الله عليه وسلم . هذا حالهم فِي الدنيا ، وأما حالهم فِي العقبى فذلك قوله {وباؤا بغضب من الله} من قولك"باء فلان بفلان"إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته ، أي صاروا أحقاء بغضبه وهو إرادة انتقامه {ذلك} الذي ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والخلافة بالغضب ، بسبب كفرهم بآيات الله أي القرآن ، بل وبالتوراة لأن الكفر به مستلزم للكفر بها ، وقتلهم الأنبياء ، وقد قتلت اليهود - لعنوا - شعيباً وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق أي من غير ما شبهة عندهم توجب استحقاق القتل . فإن الآتي بالباطل قد يكون اعتقده حقاً لشبهة عنت له ، وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً . ولا شك أن الثاني أقبح وأدخل فِي القحة ، أو كرر للتأكيد نحو {ومن يدع مع الله الهاً آخر لا برهان له به} [المؤمنون: 117] ومحال أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان . والنبيء بالهمزة"فعيل"بمعنى