في نفسه ما يكذب فإن أُريد به خصوص الكذب فيكون مَجَازًا وإن أريد به العام لا
بخصوصه فيكون حَقيقَة وهذا الأخير هُوَ الظَّاهر، ويحتمل النقل قوله أكاذيب الأولى أباطيل
بدل الأكاذيب؛ إذ الكذب مختص بالْقَوْل والبطلان أعم من الْقَوْل، ولا ريب في أن الْمُرَاد
العموم بل الاعتقاد الباطل كما قال لكن يعتقدون الخ. ومن هذا يكشف أن الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ:
ولذلك يطلق عَلَى الباطل أَيْضًا الخ.
قوله: (وعلى ما يتمنى) عطف عَلَى الكذب فإن المتمنّي بكسر النون يقدر ما يتمناه فيكون
من أفراد الأمنية فإطلاقه عليه من قبيل إطلاق العام عَلَى الخاص إما حَقيقَة أو مجاز والنقل
احتمال وكذا الْكَلَام في (وما يقرأ) أي أو يطلق عَلَى ما يقرأ لأن القارئ يقدر أيضًا بقدر ترتيب
الْكَلَام بصورها المسموعة والمكتوبة إن كان كاتبًا والمسموعة فقط إن كان أميًا، ومن هذا قال
وقيل: إلا ما يقرءون (والْمَعْنَى ولكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليدًا من المحرفين) .
قوله: (أو مواعيد فارغة) ناظر إلَى إطلاقها عَلَى ما يتمنى، والْمُرَاد بالفارغة الباطلة
الكاذبة اسْتعَارَة لطيفة ونكتتها ظاهرة، والفرق بين هذا وبين الأكاذيب مع أن المواعيد من
الأكاذيب هُوَ أن الْمُرَاد بالأكاذيب ما عدا المواعيد كقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ومثل هذا
ليس بوعد قوله (سمعوها) أي الأميون سمعوها أي المواعيد الفارغة (منهم) أي من
المحرفين فقلدوها واعتقدوها كَذَلكَ (من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودًا) وجه كونه
من المواعيد هُوَ لكونه إخبارًا عَمَّا سيكون، وأما عَلَى تفسير الوعد بأنه هُوَ الْإخْبَار بما
سيكون من جهة المخبر مرتبًا عَلَى الشيء من زمان أو غيره فإطلاق المواعيد عَلَى مثل هذا
الْقَوْل مشكل؛ ولهذا قال البعض وللأماني تفاسير منها الأكاذيب، وروي عن ابْن عَبَّاسٍ رضي
الله تَعَالَى عنهما ومجاهر هنا ومنها الشهوات وهو الْمُرَاد بقوله المواعيد انتهى. ولا يخفى
أن التوصيف بالفارغة الخالية عن مطابقة الواقع يأباه، فالأولى كون الْمُرَاد بها الْإخْبَار بما
سيكون بلا اعتبار كونه من جهة المخبر فإنه أقرب إلَى الْمَعْنَى الحقيقي للوعد(وأن النَّار لن
تمسهم إلا أيامًا معدودة).
قوله: (وقيل إلا ما يقرءون) هذا عَلَى إطلاقه عَلَى ما يقرأ(قراءة عارية عن معرفة
الْمَعْنَى)هذا بيان الْمُرَاد هنا لكونهم أميين وقراءتهم لا تكون إلا كَذَلكَ أي بلا فهم، وما
أثبت لهم هنا القراءة وحدها بلا فهم الْمَعْنَى وما نفى عنهم القراءة والْكِتَابَة فلا تناقض أو ما
نفى عنهم القراءة مع فهم الْمَعْنَى فلا مخالفة لما سبق فالاستثناء أَيْضًا منقطع كما عرفت.
قوله: (وتدبره من قوله) أي قول حسان - رضي الله تَعَالَى عنه - أحد شعراء رسول الله صلى
الله تَعَالَى عليه وسلم يرثي عثمان بن عفان - رضي الله تَعَالَى عنه - ويذكر قصته في الدار.
(تَمَنَّى كتَابَ الله أَوَّلَ لَيْله ... تَمني دَاودَ الزبُورَ على رسْل)
ورسْل بكسر الراء وسكون السين بمعنى تؤدة وتأن. والْمَعْنَى تمنى أي قرأ أمير
الْمُؤْمنينَ عثمان - رضي الله تَعَالَى عنه - أول ليلة استشهد فيها كتاب الله أي الْقُرْآن قراءة مقرونة