أي الْمُرَاد بطائفة من أسلافهم هَؤُلَاء السبعون الْمُخْتَارون للميقات المشار إليه في قوله
تَعَالَى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعينَ رَجُلًا لميقَاتنَا) هذا ما رواه الكلبي
من أنهم سألوا مُوسَى أن يسمعهم كلامه تَعَالَى فقال لهم اغتسلوا والبسوا الثياب النظيفة
ففعلوا فأسمعهم الله تَعَالَى فالسماع عَلَى هذا من الله تَعَالَى بلا واسطة كما كان لمُوسَى عليه
السلام لكن الصحيح أنهم لم يسمعوا بلا واسطة وأنه مَخْصُوص بمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وهو
منصب النبوة والرسالة ولهذا لم يرض به المصنف، والْمُرَاد بالتحريف عَلَى هذا زيادة فيه
على طريق الافتراء لا التحريف بما يتعلق بنعت النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ والْمَذْكُور في سائر
المواضع التحريف بما يتعلق بأمر النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فكذا هنا، فظهر وجه ضعف الاحتمال
الثاني أَيْضًا ولفظة من للبيان لأن السبعين كلهم فعلوا ذلك كما قال كلهم (أَرنَا اللَّهَ جَهْرَةً) .
وقيل: وإنما قال من السبعين لأن كلهم لم يفعلوا ذلك وهو ضعيف.
قوله: (ثم قَالُوا سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا)
بيان لتحريفهم وفساد قولهم ظَاهر. أما أولًا فلأن هذا الْقَوْل لو فرض تحققه مع استحالته
لكان من وظيفة أصحاب الوحي لا من وظيفتهم، وأما ثانيًا فلأنه يلزم منه أن الأوامر
والنواهي للإباحة والتنزيه، ولا ريب في فساده؛ إذ حِينَئِذٍ لا يبقى التكليف أصلًا. وقال النحرير
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
أكمل الدين ما فسره به هُوَ المنقول عن أئمة التَّفْسير فليس لتخصيص الْمُصَنّف بالمطالبة وجه وإن
عمم أحد السؤال بأن قال ولم ذهب إلَى أن الفريق من أسلافهم؟ فالْجَوَاب أن الموجب لذلك كلمة
كان في قوله عز وجل. (وَقَدْ كَانَ فَريقٌ منْهُمْ) فلهم سابقة إما بمعنى المصدر أي
سبقة وتقدم، وإما صفة محذوف أي أسلاف سابقة يعني منافقيهم تفسيرًا لفاعل لقوا الْمُرَاد به جنس
الْيَهُود أي: [إذا] لقي منافقو الْمُؤْمنينَ الخلص من أمة مُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عليه وسلم قَالُوا الآية. هذا
على إسناد فعل البعض. وقوله إلَى الكل فرجع صير لقوا إلَى منافقي الْيَهُود كما فعله الْمُصَنّف
رحمه الله بناء عَلَى الْمَعْنَى الإنسحابي وإلا فالْمُرَاد به هُوَ الْمُرَاد من وأو أن يؤمنوا في(أَفَتَطْمَعُونَ
أن يؤمنوا)المقصود منه جنس الْيَهُود وإلا يلزم تمكيك الضمائر في أن [يؤمنوا] ولقوا وبعضهم
وقَالُوا وبما ذكرنا انحل الإشكال الذي أورده الشيخ أكمل الدين في حواشيه وأنه لقائل أن يقول
تعميم ضمير لقوا وتَخْصيص ضمير قَالُوا مخالف للنقل والعقل. أما الأول فلما روي عن ابن عبَّاس
والحسن وقتادة (وإذا لقوا الَّذينَ آمَنُوا) يعني منافقي الْيَهُود الذين آمنوا بألسنتهم إذا لقوا الْمُؤْمنين
الخلص قَالُوا آمنا، وأما الثاني فلأنه يلزم تفكيك الضمائر فيما هُوَ كالْجُمْلَة الواحدة ثم قال ويمكن
أن يجاب عنه بأن ضمير قَالُوا للْمُنَافقينَ لا محالة فإن غيرهم لا يقول ذلك وحِينَئِذٍ لا يخالفه ضمير
لقوا وضمير بعضهم في المرجع وإلا لكان معناه وإذا لقي المُنَافقُونَ الْمُؤْمنينَ الخلص قَالُوا آمَنَّا
وإذا خلا بعض الْمُنَافقينَ إلَى بَعْضٍ قَالُوا أتحدثونهم، وليس الْمَعْنَى عَلَى ذلك، وإنَّمَا الْمَعْنَى إذا خلا
بعض الْيَهُود وهم غير الْمُنَافقينَ إلَى غيرهم منهم قَالُوا أتحدثونهم، فتعينت المخالفة بجعل ضمير
لقوا لليهود وضمير قَالُوا للْمُنَافقينَ وضمير بعضهم أيضًا لليهود تصحيح الْمَعْنَى، ونظيره في اخْتلَاف
الضَّميرين قَوْلُه تَعَالَى: (وَإذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فإن
الضَّمير الأول للأزواج والثاني للأولياء والحكام.