قال الجصاص: الصابئة الذين يعرفون بهذا الاسم فِي هذا الوقت ليس فيهم أهل كتاب وانتحالهم فِي الأصل واحد أعني الذين هم بناحية حران ، والذين هم بناحية البطائح وكَسْكَر فِي سواد واسط ، وإنما الخلاف بين الذين بناحية حران والذين بناحية البطائح فِي شيء من شرائعهم وليس فيهم أهل كتاب فالذي يغلب على ظني فِي قول أبي حنيفة أنه شاهدَ قوماً منهم يظهرون أنهم نصارى تقيةً ، وهم الذين كانوا بناحية البطائح وكسْكر ويسميهم النصارى يُوحنَّا سِيَّة وهم ينتمون إلى يحيى بن زكرياء ، وينتحلون كتباً يزعمون أنها التي أنزلها الله على شيث ويحيى.
ومن كان اعتقاده من الصابئين على ما وصفنا وهم الحرانيون الذين بناحية حران وهم عبدة أوثان لا ينتمون إلى أحد من الأنبياء ولا ينتحلون شيئاً من كتب الله فلا خلاف بين الفقهاء فِي أنهم ليسوا أهل كتاب ، وأنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم وأبو يوسف ومحمد قالا: إن الصابئين ليسوا أهل كتاب ولم يفصلوا بين الفريقين وكذا قول الأوزاعي ومالك بن أنس أ هـ.
كلامه.
ووجه الاقتصار فِي الآية على ذكر هذه الأديان الثلاثة مع الإسلام دون غيرها من نحو المجوسية والدهريين والزنادقة أن هذا مقام دعوتهم للدخول فِي الإسلام والمتاب عن أديانهم التي أبطلت لأنهم أرجى لقبول الإسلام من المجوس والدهريين لأنهم يثبتون الإله المتفرد بخلق العالم ويتبعون الفضائل على تفاوت بينهم فِي ذلك ، فلذلك اقتصر عليهم تقريباً لهم من الدخول فِي الإسلام.
ألا ترى أنه ذكر المجوس معهم فِي قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} [الحج: 17] لأن ذلك مقام تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين.