فالصلاة فيها سجن النفوس ، والصوم إنما فيه منع الشهوة ؛ فليس مَن مُنع شهوة واحدة أو شهوتين كما مُنع جميع الشهوات.
فالصائم إنما منع شهوة النساء والطعام والشراب ، ثم ينبسط فِي سائر الشهوات من الكلام والمشي والنظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق ، فيتسلّى بتلك الأشياء عما مُنع.
والمصلّي يمتنع من جميع ذلك ، فجوارحه كلها مقيَّدة بالصلاة عن جميع الشهوات.
وإذا كان ذلك كانت الصلاة أصعبَ على النفس ومكابدتها أشدّ ، فلذلك قال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} .
وقيل: عليهما ، ولكنه كَنَى عن الأغلب وهو الصلاة ؛ كقوله: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله} [التوبة: 34] ، وقوله: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] .
فردّ الكناية إلى الفضة ؛ لأنها الأغلب والأعم ، وإلى التجارة ؛ لأنها الأفضل والأهم.
وقيل: إن الصبر لمّا كان داخلاً فِي الصلاة أعاد عليها ؛ كما قال: {والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] .
ولم يقل: يرضوهما ؛ لأن رضا الرسول داخل فِي رضا الله جل وعز ؛ ومنه قول الشاعر:
إنّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأس ...
ودَ ما لم يُعاصَ كان جنونا
ولم يقل يعاصيا ، ردّ إلى الشباب لأن الشَّعَر داخل فيه.
وقيل: ردّ الكناية إلى كل واحد منهما لكن حذف اختصارا ؛ قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين ؛ ومنه قول الشاعر:
فمن يك أمْسَى بالمدينة رَحْلُه ...
فإني وَقيّارٌ بها لغرِيبُ
وقال آخر:
لكلّ هَمٍّ مِن الهموم سَعَهْ ...
والصُّبْحُ والمُسْيُ لا فلاح مَعَهْ
أراد: لغريبان ، لا فلاح معهما.
وقيل: على العبادة التي يتضمّنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة.
وقيل: على المصدر ، وهي الاستعانة التي يقتضيها قوله: {واستعينوا} .