قوله سبحانه {وإذ قلتم يا موسى} الآية . زعم بعض المفسرين أن هذا السؤال منهم كان معصية ، فإن اللائق بحال المكلف الصبر على ما ساقه الله تعالى إليه خصوصاً إذا كان نعمة وعفواً وصفواً ، ولا سيما إذا كان المسؤول أدون وأحقر . ولهذا أنكره موسى عليهم {قال أتستبدلون} . وقال الآخرون: إنه غير معصية لأن قوله {كلوا واشربوا} عند إنزال المن والسلوى ، وانفجار الماء أمر إباحة لا إيجاب . ثم إنهم كانوا أهل فلاحة فرغبوا إلى مألوفهم ، ورغبة الإنسان فيما اعتاده فِي أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رغبته فيما لا يعتاد وإن كان شريفاً . ولعلهم سئموا من التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا فِي البلاد وغرضهم البلاد . وأيضاً المواظبة على الطعام الواحد تميت الشهوة وتضعف الهضم ، فيصح أن يكون التبديل مطلوباً للعقلاء ، ولهذا أجابهم الله تعالى إلى ما سألوا ، ولو كان معصية لم يجبهم إلى ذلك ، اللهم إلا أن يكون من قبيل {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فِي الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] وإنما صح إطلاق الطعام الواحد على المن والسلوى ، لأنهم أرادوا بالوحدة نفي التبدل والاختلاف ، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها ويأكلها كل يوم لا يبدلها . قيل: لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً . ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والترفه ، ونحن أهل زراعة ما نريد إلا ما ألفناه . ومعنى يخرج لنا يوجد ويظهر . والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر كالنعناع والكرفس والكراث وغير ذلك من أطايب البقول التي يأكلها الناس عادة . والقثاء الخيار ، والفوم الثوم ، ويدل عليه قراءة عبد الله {وثومها} وهو بالعدس والبصل أوفق . وقال بعضهم: الفوم الحمص لغة شامية ، ويقال: هو الحنطة . ومنه قولهم"فوّموا لنا"أي اختبزوا . قال الفراء: هي لغة قديمة {الذي هو أدنى} أي أقرب منزلة وأدون مقداراً كقولهم في