وواضح أن ما تذمه هذه الآيات وتنعاه على بني إسرائيل، من كتمان للحق، وتلبيس له بالباطل، ونفاق في السلوك، وجرأة على الله، وعناد لرسله، وتجاهل لنعم الله المتوالية وكفران بها-رغما عن أهميتها الكبرى-وإن كان الخطاب به متجها في الأصل إلى بني إسرائيل-ليس قاصرا عليهم وحدهم دون بقية الناس، بل إن ما فيه من الذم والنعي كما ينطبق عليهم بالأصالة، ينطبق بالتبع على جميع من سلك مسلكهم واقتدى بهم في خصالهم المستقبحة وسلوكهم المنحرف، وبذلك تعتبر هذه الآيات تنبيها دائما للمسلمين، وتحذيرا لهم، وإنذارا صريحا للمنحرفين منهم عن سواء السبيل، بسوء العاقبة وقبح المصير.
ومما يناسب الوقوف عنده وقفة خاصة من هذه الآيات قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} ، وقوله تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ، وقوله تعالى: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} ، وقوله تعالى: {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} .
ذلك أن الخطاب الإلهي في هذه الآيات يعتبر توجيها عاما لا خاصا، فقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} . فيه لفت نظر
المؤمن العاقل إلى ما بين الصبر والصلاة من تلازم في الغاية، وإلى ما بين الصبر والصلاة من تكامل في الطبيعة، بحيث يعتبر مجموعهما وكل منهما عونا إلهيا على مجابهة متاعب الحياة، ومددا ربانيا للتغلب على مشاكلها اليومية.
فبالصلاة يقوى الرجاء في الله، ويرتكز الإيمان بالقدر خيره وشره على أقوى أساس، وعن طريق الصلاة يستمد المؤمن الهداية والإعانة من ربه دون انقطاع.
وبالصبر يواجه المؤمن مسؤولياته الملقاة على عاتقه، بحكم أمانة الاستخلاف عن الله، مطمئن القلب، منشرح الصدر، معتصما بالله، معتمدا عليه، وقد تكرر هذا المعنى في نفس سورة البقرة بخطاب إلهي موجه إلى المؤمنين بالذات، إذ قال تعالى: {فَاذكُرُوني أَذكُركُمْ واشْكُرُوا لِي ولاَ تَكفُرُونِ} - {يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا استَعِينُوا بالصَّبرِ وَالصَّلاةِ، إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرينَ} .