وقوله: {قد علم كل أناس مشربهم} قال العكبري وأبو حيان: إنه استئناف ، وهما يريدان الاستئناف البياني ولذلك فصل ، كأن سائلاً سأل عن سبب انقسام الانفجار إلى اثنتي عشرة عيناً فقيل قد علم كل سبط مشربهم ، والأظهر عندي أنه حال جردت عن الواو لأنه خطاب لمن يعقلون القصة فلا معنى لتقدير سؤال.
والمراد بالأناس كل ناس سبط من الأسباط.
وقوله: {كلوا واشربوا من رزق الله} مقول قول محذوف.
وقد جمع بين الأكل والشرب وإن كان الحديث على السقي لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى ، وقيل هنالك: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57] فلما شفع ذلك بالماء اجتمع المنتان.
وقوله: {ولا تعثوا فِي الأرض مفسدين} من جملة ما قيل لهم ووجه النهي عنه أن النعمة قد تنسي العبد حاجته إلى الخالق فيهجر الشريعة فيقع فِي الفساد قال تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} [العلق: 6 ، 7] .
{ولا تعثوا} مضارع عثي كرضي ، وهذه لغة أهل الحجاز وهي الفصحى فقوله: {ولا تعثوا} بوزن لا ترضوا ومصدره عند أهل اللغة يقتضي أن يكون بوزن رضي ولم أر من صرح به وذكر له فِي"اللسان"مصادر العُثيّ والعِثيّ بضم العين وكسرها مع كسر الثاء فيهما وتشديد الياء فيهما ، والعَثَيان بفتحتين وفي لغة غير أهل الحجاز عثا يعثو مثل سما يسمو ولم يقرأ أحد من القراء: {ولا تعثوا} بضم الثاء.
وهو أشد الفساد وقيل: هو الفساد مطلقاً وعلى الوجهين يكون {مفسدين} حالاً مؤكدة لعاملها.