وقد تكلمت العرب فِي نظمها ونثرها بلفظة الويل قبل أن يجيء القرآن ، ولم تطلقه على شيء من هذه التفاسير ، وإنما مدلوله ما فسره أهل اللغة ، وهو نكرة فيها معنى الدعاء ، فلذلك جاز الابتداء بها ، إذ الدعاء أحد المسوّغات لجواز الابتداء بالنكرة ، وهي تقارب ثلاثين مسوّغاً ، وذكرناها فِي كتاب (منهج المسالك) من تأليفنا.
والكتابة معروفة ، ويقال أول من كتب بالقلم إدريس ، وقيل: آدم.
والكتاب هنا قيل: كتبوا أشياء اختلقوها ، وأحكاماً بدلوها من التوراة حتى استقر حكماً بينهم.
وقيل: كتبوا فِي التوراة ما يدل على خلاف صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبنوها فِي سفهائهم ، وفي العرب ، وأخفوا تلك النسخ التي كانت عندهم بغير تبديل ، وصار سفهاؤهم ، ومن يأتيهم من مشركي العرب ، إذا سألوهم عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقولون: ما هو هذا الموصوف عندنا فِي التوراة المبدلة المغيرة ، ويقرأُوها عليهم ويقولون لهم: هذه التوراة التي أنزلت من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً.
بأيديهم: تأكيد يرفع توهم المجاز ، لأن قولك: زيد يكتب ، ظاهره أنه يباشر الكتابة ، ويحتمل أن ينسب إليه على طريقة المجاز ، ويكون آمراً بذلك ، كما جاء فِي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب ، وإنما المعنى: أمر بالكتابة ، لأن الله تعالى قد أخبر أنه النبي الأمي ، وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ فِي كتاب.
وقد قال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمنك إذاً لارتاب المبطلون} ونظير هذا التأكيد {يطير بجناحيه} ، {ويقولون بأفواههم} ، وقوله:
نظرت فلم تنظر بعينيك منظراً ...
فهذه كلها أتى بها لتأكيد ما يقتضيه ظاهر اللفظ ، ولرفع المجاز الذي كان يحتمله.
وفي هذا التأكيد أيضاً تقبيح لفعلهم ، إذ لم يكتفوا بأن يأمروا بالاختلاق والتغيير ، حتى كانوا هم الذين تعاطوا ذلك بأنفسهم ، واجترحوه بأيديهم.