واختلف أصحاب الاشتقاق في أصل هذا الحرف:
فمذهب أبي العباس أنه من الباءة والمباءة، وهو منزل القوم حيث يتبوؤون.
فمعنى باء بالذنب: أي نزل منزلة المذنبين، وباؤوا بغضب أي نزلوا منزلة من يلحقهم الغضب، ومن هذا يقال: أبأت فلانًا بفلان، إذا قبلته به، كأنك جعلته في منزلته وفي محله، وفلان بواء بفلان من هذا، والكلام يتصرف فيقع بعضه محمولا على بعض، هذا هو الأصل، ثم يفسر: باء بالشيء إذا احتمله ورجع به وانصرف به، وأقرّ به. وهذه كلها معان ترجع إلى أصل واحد، وهو الحلول في ذلك المحل.
قال الفرزدق لمعاوية:
فَلَو كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي جَاهِليَّةٍ ... لَبُؤْتَ بِهِ أَوغَصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُه
أي لأقررت به، كأنه قال: حللت محل المقر به، وقال لبيد:
أَنْكَرْتُ بَاطِلَهَا وبُؤْتُ بِحَقِّهَا ... عِنْدِي وَلم تَفْخَرْ عَليَّ كِرَامُهَا
وقوله تعالى: {تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29] . تأويله: تحل محل من اجتمعت عليه العقوبتان بأن لم يتقبل قربانك وقتلتني.
وعند الزجاج أن أصل هذا الحرف من التسوية. تقول العرب: هم في هذا الأمر بواء، أي: سواء. وبوأت الرمح نحو الفارس: سويته، وبوأت
فلانًا منزلًا: أي سويته له، وقد باءت دماء القوم: إذا استوت، وباء فلان بالذنب: إذا احتمله واستوى عليه.
وفي حديث عبادة بن الصامت قال: (جعل الله الأنفال إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقسمها بينهم عن بواء) أي عن سواء بينهم في القسم.
فمعنى {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} كأنهم استوى عليهم الغضب من الله. ومعنى غضب الله: ذمه إياهم وإنزال العقوبة بهم، لا كعارض يحل بالمخلوقين.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} (ذلك) إشارة إلى ضرب الذلة والمسكنة والغضب، ومعنى {يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} قال ابن عباس: يريد الحكمة التي أنزلت على محمد - صلى الله عليه وسلم - .