فتكون الجملة مستأنفة منقطعة عما قبلها، والنصب على أنها عاملة عمل إن، لأن أصغر وأكبر شبيهان بالمضاف، تعلق بهما شيء من تمام معناهما، وهو العمل في الجار والمجرور، وهاتان القراءاتان هنا فقط، وأما في سبأ فبالرفع باتفاق السبعة.
قوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} الاستثناء منقطع، والمعنى لكن جميع الأشياء في كتاب مبين، فهو استدراج على ما يتوهم نفيه لأن قوله لا يعزب عن ربك الخ. ربما يتوهم منه أنه لم يحط بها غير علم الله، فدفع ذلك بقوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي لكن جميع الأشياء مثبتة في كتاب مبين أيضًا، ولا يصح أن يكون متصلًا، لأنه يصير المعنى لا يغيب عن علمه عن علم الله وذلك باطل، وهذا الإشكال لا يرد إلا على جعل قوله ولا أصغر ولا أكبر، معطوفًا على مثقال، وأما إن جعل مستأنفًا كما تقرر، فلا يرد الإشكال فتأمل.
قوله: {أَلا} أداة تنبيه، يؤتى بها ليتنبه السامع لما بعدها، ويعتني بها لعظمه.
قوله: {أَوْلِيَآءَ اللَّهِ} جمع ولي من الولاء، وهو العز والنصر، سموا بذلك لأنهم هم المنصورون بالله المعزوزون به، لا يطمعون في شيء سوى القرب منه، وولي فعيل، إما بمعنى فاعل، أي متولي خدمة ربه بكل ما أمكنه، بروحه وجسمه ودنياه، أو بمعنى مفعول، أي تولى الله إكرامه وعطاياه ونفحاته، فلم يكله لشيء سواه، فحيث تولى الخدمة، تولاه الله بالنعمة والنفحة، وهو سر قوله في الحديث:"يا دنيا من خدمني فاخدميه"فحينئذ صار معنى الولي المنهمك في طاعة ربه، الذي أفيضت عليه الأنوار والأسرار؛ لما ورد"من تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة"وعلامة الولي كما في الحديث:"سئل رسول الله عن علامة الأولياء فقال: هم الذين ادارؤوا ذكر الله تعالى"وسبب ذلك ظهور أنوار المعرفة الكائنة في قلوبهم على ظواهرهم وذلك سر قوله تعالى:
{سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ}
[الفتح: 29] وقال أبو بكر الأصم: أولياء الله هم الذين تولى الله هدايتهم، وتولوا القيام بحق العبودية لله تعالى والدعوة إليه، والولي من الولاء، وهو القرب والنصرة فولي الله هو الذي يتقرب إلى الله بكل ما افترض الله عليه، ويكون مشتغلًا بالله، مستغرق القلب في نور معرفة جلال الله تعالى، فإن رأى، رأى دلائل قدرة الله، وإن سمع، سمع آيات الله، وإن نطق، نطق بالثناء على الله، وإن تحرك، تحرك في طاعة الله، وإن اجتهد اجتهد فيما يقربه إلى الله، لا يفتر عن ذكر الله، ولا يرى بقلبه غير الله، فهذه صفات أولياء الله، وإذ كان العبد كذلك، كان الله وليه وناصره ومعينه، قال تعالى:
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ}