{فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} * {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}
قوله: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ} اعلم أن الله سبحانه وتعالى جعل خلقه في الأزل قسمين: شقي وسعيد، وجعل لكل أمة علامة تدل عليه، فعلامة السعادة شرح الصدر للإسلام، وقبوله لما يرد عليه من النور والأحكام، وعلامة الشقاوة ضيق الصدر، وعلامة قبوله لذلك، وجعل لكل قسم في الآخرة دار يسكنونها، فلأهل السعادة الجنة ونعيمها، ولأهل الشقاوة النار وعذابها، لما في الحديث"إن الله خلق خلقًا وقال هؤلاء للجنة ولا أبالي، وخلق خلقًا وقال هؤلاء للنار ولا أبالي"فذكر في هذه الآية علامة كل قسم، فإذا رزق الله العبد شرح الصدر وأسكنه حلاوة الإيمان، فليعلم أن الله أعظم عليه النعمة. وبضدها تتميز الأشياء. ومن اسم شرط، ويرد فعل الشرط، ويشرح جوابه.
قوله: {يَهْدِيَهُ} أي يوصله للمقصود، وليس المراد الدلالة لأنها هي شرح الصدر.
قوله: {يَشْرَحْ صَدْرَهُ} الشرح في الأصل التوسيع، والمراد هنا لازمه، وهو أن يقذف الله في قلب الشخص النور، حتى تكون أحواله مرضية لله، لأنه يلزم من الوسع قبول ما يحل فيه.
قوله: (كما ورد في حديث) أي وهو أنه لما نزلت هذه الآية،"سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال: هو نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفتح، قيل فهو لذلك أمارة؟ قال نعم الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت، وفي رواية قبل لقى الموت".
قوله: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} أي يمنعه عن الوصول، ويسكنه دار العقاب، ويطرده عن رحمته ومن اسم شرط، ويرد فعل الشرط، ويجعل جوابه، وجعل بمعنى صير، فصدره مفعول أول، وضيقًا مفعول ثان، وحرجًا صفته. والمعنى: أن من أراد الله شقاوته، وطرده عن رحمته، ضيق قلبه، فلا يقبل شيئًا من أصول الإسلام ولا من فروعه، ولو قطع إربًا إربًا، وعلامة ذلك إذا ذكر التوحيد نفر قلبه واشمأز، وإن نطق بلسانه كأهل النفاق، قال تعالى:
{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ}
[الزمر: 45] الآية.
قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي كميت وميت قراءتان سبعيتان.
قوله: (شديد الضيق) أي زائدة، فلا يقبل شيئًا من الهدى أصلًا.
قوله: (بكسر الراء صفة) أي اسم فاعل كفرح فهو فرح.
قوله: (وصف به مبالغة) أي أو على حذف مضاف، أي إذا حرج على حد زيد عدل.
قوله: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ} أي يتكلف الصعود فلا يستطيعه.
قوله: (وفيهما إدغام التاء في الأصل) أي بعد قلبها صادًا فأصل الأولى يتصعد، وأصل الثانية يتصاعد، وهاتان القراءتان مع تشديد ضيقًا، وكسر راء حرجًا أو فتحها. وأما قوله: (وفي أخرى بسكونها) فهي قراءة من خفف ضيقًا ويفتح حرجًا فالمخفف للمخفف، والمشدد للمشددة.