{دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} * {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا} * {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} * {فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}
قوله: {دَرَجَاتٍ} قيل سبعة وقيل سبعون وقيل سبعمائة، كل درجة كما بين السماء والأرض.
قوله: (بفعلهما المقدر) أي غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة.
قوله: (فقتلوا يوم بدر) أي وهل ماتوا عصاة أو كفارًا خلاف، لأن الهجرة كانت ركنًا أو شرطًا في صحة الإسلام. قال تعالى:
{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ}
[الأنفال: 72] وهذا كان قبل الفتح، ثم نسخ بعده، والقاتل لهؤلاء الملائكة لعلمهم بأن الله لم يقبل منهم الإسلام لفقد شرطه، وهو الهجرة مع قدرتهم عليها، وليس التخلف ومن أجل صيانة المال والعيال عذرًا، والمتبادر من ذلك أنهم ماتوا كفارًا.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ} يصح أن يكون ماضيًا ولم يؤت فيه بعلامة التأنيث، لأن التأنيث مجازي، ويصح أن يكون مضارعًا حذفت منه إحدى التائين، والأصل تتوفاهم. قال ابن مالك:
ومَا بِتَاءَيْن ابْتَدَى قَدْ يَقْتَصِر…فِيهِ عَلَى تَا كتبين العِبَر
قوله: {الْمَلائِكَةُ} يعني ملك الموت وهو عزرائيل، وإنما جمع تعظيمًا، وقيل المراد أعوانه وهم ستة: ثلاثة منهم يقبضون أرواح المؤمنين، وثلاثة منهم يقبضون أرواح الكفار.
قوله: {قَالُواْ} (لهم موبخين) أي عند قبض أرواحهم.
قوله: {فِيمَ كُنتُمْ} ما اسم استفهام حذفت ألفها لجرها بالحرف. قال ابن مالك:
وَمَا فِي الاسْتِفْهَامِ إنْ جرّت حُذِفَ…أَلْفهَا وَأَوَّلَها الهَا إنْ تَقِفُ
قوله: (أي في شيء كنتم) أي أكننتم مؤمنين أم كفارًا.
قوله: {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} هذا اعتذار غير صحيح، فلذا ردت الملائكة عليهم هذا الاعتذار.
قوله: {فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} هذا هو خبر إن، وقرن بالفاء لأن في الأصل خبر عن الموصول وهو يشبه الشرط.
قوله: (هي) هذا هو المخصوص بالذم.
قوله: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ} هذا الاستثناء منقطع على التحقيق.
قوله: {مِنَ الرِّجَالِ} هو ما يعبده بيان للمستشعفين، وذلك كعباس بن ربيعة وسلمة بن هشام وغيرهما، وقوله: {وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ} قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان.
قوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} هذه الجملة إما مستأنفة مبينة للاستضعاف جواب سؤال مقدر تقديره ما وجه استضعافهم، أو صفة للمستضعفين.
قوله: {فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} عسى في كلام الله بمنزلة التحقيق، لعلمه بعواقب الأمور، وقدرته على كل شيء، وأما في كلام غيره فللرجاء، لجهله بعواقب الأمور وعجزه.