{أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} * {يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلًا} * {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}
قوله: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} أي مانعين للخير عنكم.
قوله: (جمع شحيح) هذا هو المسموع فيه وقياسه أفعلاء، كخليل وأخلاء، والشح البخل.
قوله: {رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} إلخ، هذا وصف لهم بالجبن، لأن شأن الجبان الخائف ينظر يمينًا وشمالًا، شاخصًا ببصره.
قوله: (كنظر أو كدوران) أشار بذلك إلى أن قوله: {كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ} نعت لمصدر محذوف من {يَنظُرُونَ} أو من {تَدُورُ} .
قوله: {كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} أي لأنه يشخص ببصره ويذهب عقله.
قوله: {سَلَقُوكُمْ} السلق بسط العضو ومدة للقهر، كان يدًا أو لسانًا، ففي الآية استعارة بالكناية، حيث شبه اللسان بالسيف، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السلق بمعنى الضرب، فإثباته تخييل والحداد ترشيح.
قوله: {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} أي مانعين له، فلا نفع في أنفسهم ولا في مالهم.
قوله: {لَمْ يُؤْمِنُواْ} (حقيقة) أي بقلوبهم وإن أسلموا ظاهرًا.
قوله: {فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} أي أظهر بطلانها.
قوله: {يَحْسَبُونَ} أي المنافقون لشدة جبنهم.
قوله: {الأَحْزَابَ} أي قريشًا وغطفان واليهود.
قوله: {لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ} أي ساكنون في البادية خارج المدينة، ليكونوا في بعد عن الأحزاب.
قوله: {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ} يصح أن يكون حالًا من الواو في {بَادُونَ} أو جملة مستأنفة، والمعنى يسألون كل قادم من جانب المدينة، عما جرى بينكم وبين الكفار، وقائلين فيما بينهم: إن غلب المسلمون قاسمناهم في الغنيمة، وإن غلب الكفار فنحن معهم.
قوله: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} هذه الآية وما بعدها إلى قوله:
{وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}
[الأحزاب: 26] من تمام قصة الأحزاب، وفيها عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤمنين والمنافقين.
قوله: (بكسر الهمزة وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان.
قوله: (اقتداء) أشار بذلك إلى أن الأسوة اسم بمعنى المصدر وهو الائتساء، يقال ائتسى فلان بفلان أي اقتدى به.
قوله: (في القتال) لا مفهوم له، بل الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واجب في الأقوال والأفعال والأحوال، لأنه لا ينطق ولا يفعل عن هوى، بل جميع أفعاله وأقواله وأحواله عن ربه، ولذا قال العارف:
وخصك بالهدى في كل أمر…فلست تشاء إلا ما يشاء
وإنما خص القتال بالذكر لأنه معرض السبب.
قوله: {لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} لأي فالمنصف بهذه الأوصاف، ثبتت له الأسوة الحسنة في رسول الله، وأما من لم يكن متصفًا بتلك الأوصاف، فليس كذلك.
قوله: {وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} أي بلسانه أو جنانه أو ما هو أعم.