{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}
قوله: {وَكَذَلِكَ} اسم الإشارة عائد على الهداية.
قوله: (أي كما هديناكم {جَعَلْنَاكُمْ} أي فمن الله عليهم بمنتين الأولى الهداية والثانية جعلهم خيارًا عدولًا، وجعل بمعنى صير فالكاف مفعول أول وأمة مفعول ثان. {وَسَطًا} هو في الأصل المكان الذي استوت إليه الجهات ثم أطلق وأريد منه الخصال الحميدة. فالمعنى أصحاب خصال حميدة ولا شك أن من كان كذلك فهم خيار عدول.
قوله: (خيارًا وعدولًا) أي أصحاب علم وعمل ولا يخلو زمان منهم لما في الحديث:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك وما دام القرآن موجودًا فهم موجودون"لقوله تعالى:
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}
[الزمر: 23] فلولا أن أناسًا موجودون بهذه المثابة في ما بقي القرآن، ونزول البلاء ليس دليلًا على عدم وجود الخيار، فإن الأنبياء كانوا موجودين مع حصول الخسف والمسخ بأممهم فليسوا أعظم من الأنبياء، ولما في الحديث:"أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث".
قوله: {لِّتَكُونُواْ} اللام للتعليل وقيل للصيرورة وعلى كل فالفعل منصوب بأن مضمرة بعدها جوازًا وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل.
قوله: (أن رسلهم بلغتهم) هذا بيان للمشهود به قوله: (أنه بلغكم) هذا بيان لشهادة الرسول، وحاصل ذلك أنه يوم القيامة توقف كفار الأمم السابقة في صعيد واحد، ويقول الله لهم لم لم تؤمنوا بي ألم يأتكم نذير؟ فيقولون يا ربنا ما جاءنا نذير، فيؤتى بأنبيائهم فيقول الله لهم وهو أعلم بهم لإقامة الحجة عليهم، ومن يشهد لكم فيقولون أمة محمد فيؤتى بهم فيقول الله: أتشهدون أن الرسل بلغت الرسالة لأممهم فكفروا بهم، فيقولون نعم نشهد بذلك، فتقول الأمم كيف يشهدون علينا مع كونهم متأخرين عنا؟ فيقولون يا ربنا أخبرنا رسولنا بذلك في كتبانا عنك وهو صادق في خبره، فيقول الله لهم ومن يزكيكم؟ فيقولون نبينا فيؤتى به فيقول أشهد أن أمتي عدول، وقوله على الناس إن كان المراد بهم أمم الأنبياء السابقة فعلى على بابها، وإن كان المراد بهم الأنبياء فعلى بمعنى اللام فهي مستعملة في حقيقتها ومجازها، وقوله: {عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} أي على كفاركم وسميت شهادة وإن كانت في الواقع دعوى لعدم ردها، ويحتمل أن على بمعنى اللام والضمير عائد على العدول الشاهدين على الأمم السابقة من حيث تزكيته لهم.
قوله: {وَمَا جَعَلْنَا} اختلف في إعراب هذه الآية فدرج المفسر على أن قوله: {الْقِبْلَةَ} مفعول ثان لجعلنا مقدم، وقوله: {الَّتِي} صفة لموصوف محذوف مفعول أول، ودرج غيره على العكس وهو أن القبلة مفعول أول والتي صفة لموصوف محذوف مفعول ثان والأقرب الأول، وحاصل ذلك أن رسول الله وهو بمكة كان يصلي للكعبة، فما هاجر إلى المدينة أمر باستقبال بيت المقدس تأليفًا لليهود فصلى لها سبعة عشر أو ستة عشر شهرًا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشم منهم الكبر فكانوا يقولون إن محمدًا يفارق ديننا ويصلي لقبلتنا، وكان رسول الله يحب أن يصلي للكعبة حتى نزل عليه جبريل يومًا فقال له يا جبريل أود أن الله يحولني لقبلة أبي إبراهيم فسل ربك ذلك، فقال له أنت أكرم عليه مني، ثم صعد إلى السماء فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر لجهتها منتظرًا للإذن في ذلك، فنزل عليه جبريل بعد ركعتين من صلاة الظهر في رجب بالأمر بالتحويل للكعبة فتحول وتحولت الناس معه.