{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} * {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} * {وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
قوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً} لما ذكر سبحانه وتعالى منته على بني آدم بخلق الحيوانات الخاصة بهم، أعقبه بذكر نعمه عامة لكل الحيوانات، آدميين وغيرهم، وهي إنزال الماء من السماء، الناشئ عنه النباتات، التي ينتفع بها جميع الحيوانات.
قوله: {لَّكُم} الجار والمجرور صفة لماء، وقوله: {مِّنْهُ شَرَابٌ} مبتدأ وخبر. إن قلت: إنه ليس خاصًا ببني آدم، بل هو عام لكل حيوان. أجيب: بأن بني آدم هم المقصودون بالذات، وغيرهم بالتبع، والضمير في {مِّنْهُ} عائد على الماء، أي تشربون من ماء السماء. إن قلت: إن غالب الشرب، يكون من السحاب والأنهار والعيون، وهي بالأرض. أجيب: بأن أصل الماء الكائن في الأرض من السماء، لقوله تعالى
{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ}
[المؤمنون: 18] .
قوله: {وَمِنْهُ شَجَرٌ} المراد بالشجر هنا مطلق النبات، سواء كان له ساق أم لا.
قوله: (ينبت بسببه) أشار بذلك إلى أن من الثانية للسببية، وأما الأولى فهي ابتدائية.
قوله: {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ} المراد به الحب الذي يقتات، وقدمه لأن به قوام البدن، وثنى بالزيتون لأنه إدام ودهن، وثلث بذكر النخيل لأنه غذاء وتفكه، وأخر الأعناب لأنها تشبه النخيل في ذلك.
قوله: {وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} عطف عام على خاص.
قوله: (المذكور) أي من إنزال الماء وإنبات النبات قوله: {لآيَةً} ذكر لفظ الآية في هذه السورة سبع مرات، خمس بالأفراد، واثنتان بالجمع. والحكمة في ذلك: أن ما جاء بلفظ الأفراد. باعتبار المعلول الذي هو وحدانية الحق، وما جاء بلفظ الجمع، فباعتبار الدليل، فإن في كل شيء آية تدل على أنه الواحد.
قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيلَ وَالْنَّهَارَ} لما ذكر النعم الكائنة في العالم السفلي، أعقبه بذكر النعم الكائنة في العالم العلوي، وكل ذلك لنفع العالم وتمام نظامه.
قوله: (بالنصب) أي ففي الشمس والقمر والنجوم ومسخرات، قراءتان سبعيتان، الرفع والنصب.
قوله: {مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} أي مذللات بإرادته، فهو سبحانه وتعالى، المؤثر في العالم العلوي والسفلي، فلا تتحرك ذرة في الدنيا، ولا تسكن إلا بتأثير الله فيها، وإنما هذه الأشياء أسباب عادية، يوجد النفع عندها لا بها، ففي هذه الآية رد على القائلين: إن العالم العلوي، هو المؤثر في العالم السفلي، بطبع أو علة.
قوله: (بالنصب حال) أي مؤكدة لعاملها، وهو سخر.
قوله: {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} عبر هنا بالعقل، إشارة إلى أن العالم العلوي مغيب عن الأبصار، فيحتاج المتأمل فيه لمزيد العقل بخلاف العالم السفلي فهو مشاهد، فيكفي فيه أدنى تأمل وتعقل، والأسلم أن يقال: إن التغاير في هذا وما قبله وما بعده، تفنن في التعبير، دفعًا للثقل، وإشارة إلى أن من اتصف بواحد منها، فقد اتصف بجميعها.