{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
قوله: (نزل) {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ} أي إلى قوله لآيات وهي ثمانية أشياء في كل شيء منها آيات فهو إجابة بالمطلوب وزيادة:
وفي كل شيء له آية…تدل على أنه الواحد
وإن حرف نصب وتوكيد وفي خلق السماوات جار ومجرور خبر مقدم ولآيات اسمها مؤخر وحذفه من الأول لدلالة الأخير عليه كأنه قال واختلاف الليل والنهار لآيات والفلك التي تجري في البحر لآيات وهكذا، وقوله في خلق اطلق المصدر وأراد المفعول أي مخلوق هو السماوات والأرض، وقد جعل الخازن السماء مع الأرض شيئًا واحدًا من ثمانية أشياء، وقوله بما ينفع الناس شيء مستقل.
قوله: (وما فيهما من العجائب) أي فعجائب السماوات رفعها بلا عمد، وكو الشمس في السماء الرابعة مع إضاءتها لأهل الأرض ونفعها لهم النفع التام، وإضاءة النجوم لأهل الأرض واهتدائهم بها مع كونهم ثوابت في العرش وهكذا، وعجائب الأرض مدها وبسها وتثبيتها بالجبال الرواسي وهكذا قال تعالى:
{أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}
[ق: 6 - 7] وأفرد الأرض ولم يجمعها كالسماوات لأتحاد جنسها وهو الماء والتراب واختلاف جنس السماوات.
قوله: (بالذهاب والمجيء) أشار بذلك إلى وجه اختلافهما. ومن جملة عجائب الليل كونه مقمرًا أو مظلمًا وكونه طويلًا على أناس دون غيرهم، ومن جملة عجائب النهار طوله على أناس دون غيرهم، فقد يكون الفجر عند القوم هو العصر عند أخرين وغير ذلك، وقدم الليل على النهار لأنه سابقه على الأصح لأن الظلمة سابقة على النور وقيل يسبق النهار وينبني على هذا الخلاف فائدة وهي أن الليلة تابعة لليوم قبلها أو لليوم بعدها فعل الصحيح تكون الليلة تابعة لليوم بعدها، وعلى مقابله تكون تابعة لليوم قبلها، فيوم عرفة مستثنى على القول الأول لأنه تابع لليلة بعده، ولا يرد قوله تعالى:
{وَلاَ الَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ}
[يس: 40] لأن المعنى ليس الليل يسبق النهار بحيث يأتي قبل انقضاء النهار بل كل يلزم الحد الذي حده الله له.
قوله: {وَالْفُلْكِ} يستعمل مفردًا وجمعًا بوزن احد والتغاير بالوصف، يقال فلك مشحونة وفلك مشحونات.
قوله: {الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} أي يسيرها الله بالريح مقبلة ومدبرة، قال تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ}
[الشورى: 32] .
قوله: (ولا ترسب) أي لا تسقط لأسفل.
قوله: (موقرة) أي حاملة للإثقال. أشار به إلى أن قوله بما ينفع النسا متعلق بمحذوف هو الشيء الرابع قوله: {بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ} أي ومن جملة منافعهم اتصال الأقطار بعضها ببعض من حيث انتفاعهم بما في القطر الآخر من الزروع وغيرها، فلولا تسخير السفن لاستقل كل قطر بما فيه وضاق على الناس معاشهم.