{قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} * {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}
قوله: {لِنَفْسِي} معمول لا أملك.
قوله: {إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ} أي تمليكه لي فأنا أملكه.
قوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} الخ إن قلت: إن هذا يشكل مع ما تقدم لنا، أنه اطلع على جميع مغيبات الدنيا والآخرة، والجواب: أنه قال تعالى تواضعًا أو أن علمه بالمغيب كلًا، علم من حيث إنه لا قدرة له على تغيير ما قدر الله وقوعه، فيكون المعنى حينئذ، لو كان لي علم حقيقي بأن أقدر على ما أريد وقوعه لاستكثرت الخ، إن قلت: إن دعاءه مستجاب لا يرد. أجيب: بأنه لا يشاء إلا ما يشاؤه الله، فلو اطلع على أن هذا الشيء مثلًا لا يكون كذا لا يوفق للدعاء له، إذ لا يشفع ولا يدعو إلا بما فيه إذن من الله، واطلاع منه على أنه يحصل ما دعا به، وهو سر قوله تعالى:
{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}
[البقرة: 255] ، وفي ذلك المعنى قال العارف:
وخصك بالهدى في كل أمر…فلست تشاء إلا ما يشاء
وللخواص من أمته حظ من هذا المقام، ولذا قال العارف أبو الحسن الشاذلي: إذا أراد الله أمرًا، أمسك ألسنة أوليائه عن الدعاء سترًا عليهم، لئلا يدعوا فلا يستجاب لهم فيفتضحوا.
قوله: (للكافرين) أشار بذلك إلى أن في الآية اكتفاء.
قوله: {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} خصوا بذلك لأنهم المنتفعون بذلك.
قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ} الخطاب لأهل مكة المعارضين المعاندين.
قوله: {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي لأنه المالك المتصرف، وهذا أعظم دليل على انفراده بالوحدانية.
قوله: (أي آدم) أي وهو مخلوق من الماء والطين، والماء والطين موجودان من عدم، فآل الأمر إلى أن آدم وأولاده موجودان من عدم.
قوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي من الضلع الأيسر، فنبتت منه كما تنبت النخلة من النواة.
قوله: (حواء) تقدم أنها سميت حواء لأنها خلقت من حي وهي آدم.
قوله: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} هذا هو حكمه كون حواء من آدم، فالحكمة في كونها منه، كونه يسكن إليها ويألفها لأنها جزء منه.
قوله: (ويألفها) عطف تفسير.
قوله: {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} التغشي كناية عن الجماع، وعبر به تعليمًا لعباده الأدب.
قوله: (هو النطفة) إن قلت: إن الجنة لا حمل فيها ولا ولادة. أجيب: بأن ذلك بعد هبوطهما إلى الأرض، وأما جماعه لها في الجنة فبغير نظفة ولا حمل منها ولا ولادة.
قوله: {فَمَرَّتْ بِهِ} أي ترددت بذلك الحمل لعدم المشقة الحاصلة منه.
قوله: {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} أي صارت ذات ثقل أو دخلت في الثقل، كأصبح إذ دخل في الصباح.
قوله: (وأشفقا) أي خافا، ورد أنه لما جاءها إبليس وقال لها: ما هذا الذي في بطنك؟ فقالت: لا أدري، فقال لها: يحتمل أن يكون كلبًا أو حمارًا أو غير ذلك، ويحتمل أن يخرج من عينك أو فمك أو تشق بطنك لإخراجه فخوفها بهذا كله، فعرضت الأمر على آدم، فدعوا ربهما إلى آخر الدعاء المذكور.
قوله: {لَئِنْ} اللام موطئة لقسم محذوف تقديره والله.
قوله: (ولذا قدره) إشارة إلى أن صالحًا صفة لموصوف محذوف مفعول ثان: لآتينا، لأنه بمعنى أعطيتنا.
قوله: {لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} أي نزيد في الشكر لأن الشكر يزيد ويعظم بزيادة النعم.