{لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} * {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ} سبب نزولها أن رجلًا من الأنصار تزوج امرأة تفويضًا ثم طلقها قبل الدخول، فرفعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، فقال له رسول الله أمتعها ولو بقلنسوتك.
قوله: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} فعله مس مسند للرجل لأنه الأقوى في المس، والأقرب أن ما شرطية بمعنى إن وليست مصدرية ظرفية كما قال المفسر، لأن محل الظرفية فيما يقتضي الامتداد كقوله تعالى:
{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}
[هود: 107] لأن شأن الخلود الامتداد.
قوله: (وفي قراءة تماسوهن) أي بضم التاء وفعله ماس مماسة مفاعلة من الجانبين، لأن كلًا يمس الآخر، واستشكل مفهوم الآية بأن الطلاق بعد المس لا إثم فيه نعم فيه المهر. وأجيب بأنه مظنة الجناح بدفع المهر، ووجود الأثم من حيث إنه قد يوقعه زمن الحيض، وأما الطلاق قبل الدخول فلا جناح فيه أصلًا.
قوله: (فطلقوهن) {وَمَتِّعُوهُنَّ} أشار بذلك إلى أن ومتعوهن معطوف على محذوف قدره بقوله فطلقوهن.
قوله: {قَدَرُهُ} بفتح الدال وسكونها قراءتان سبعيتان قوله: (يفيد أنه لا نظر إلى قدر الزوجة) أي وهو أحد الأقوال عند الشافعي، والمفتى به عند مالك، ولكن المعتمد عند الشافعي مراعاة حال الزوج والزوجة.
قوله: (تمتيعًا) أشار بذلك إلى أن اسم المصدر بمعنى المصدر.
قوله: (شرعًا) أي لا بشيء حرام.
قوله: (أو مصدر مؤكد) أي وعامله محذوف أي أحقه حقًا. وأعلم أنه اختلف في المتعة، فقيل واجبة نظرًا للأمر ولقوله حقًا وبه أخذ الشافعي، وقيل مندوبة نظرًا لقوله بالمعروف، ولقوله على المحسنين، وبه أخذ مالك.
قوله: {مِن قَبْلِ} متعلق بطلقتموهن وقوله: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ} الجملة حالية.
قوله: {فَرِيضَةً} بمعنى مفروضة مفعول به، وقيل مفعول مطلق بمعنى فرض، لكن الأول أقرب.
قوله: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} مبتدأ خبره محذوف قدره المفسر بقوله (يجب لهن) ويحتمل أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره فاللازم لكم ما فرضتم، وما اسم موصول والعائد محذوف، وجملة فرضتم صلته ونصف مثلث الوزن ونصيف كرغيف، ولا يقرأ في جميع مواضع القرآن إلا بكسر النون لا غير.
قوله: {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} إلا أداة استثناء، وأن حرف مصدري ونصب، ويعفون مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة وهي فاعل، والواو لام الكلمة لا واو الجماعة لأن وزنها يفعلن بخلاف الرجال يعفون فإن وزنه يفعون، وقدر المفسر لكن إشارة إلى أن الاستثناء منقطع لأن العفو ليس من جنس ماقبله فإن ما قبله وجوب دفع نصف المهر.
قوله: (فيترك لها الكل) أي وتسميته عفوا مشاكلة لما قبله.
قوله: (الولي) أي المجبر، وقال به مالك.
قوله: (محجورة) أي مجبورة.
قوله: {وَأَن تَعْفُواْ} الضمير عائد على من ذكر من الرجال والنساء، وإنما غلب الرجال لشرفهم، وأصله تعفوون دخل الناصب فحذف النون ثم استثقلت الضمة على الواو فحذفت فالتقى ساكنان حذفت لام الكلمة لالتقائهما.
قوله: {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} استشكل كلام ابن عباس بأن عفو الولي لا تقوى فيه. أجيب بأن المراد بالتقوى الألفة، أي فإذا عفا الولي فربما تحصل الألفة من الزوج ثانيًا.
قوله: (أي أن يتفضل بعضكم على بعض) أي بفعل بعضكم مع بعض مكارم الأخلاق بأن يحصل العفو عن جميع المهر من الزوج، أو تعفو الزوجة عن النصف الذي يخصها.