{يامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} * {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} * {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ} * {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}
قوله: {يامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} الخ، هذا إلزام وتعجيز، لمن لم يرض بقضاء الله وقدره، وهو إشارة لمعنى حديث قدسي:"من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي، فليخرج من تحت سمائي، ويتخذ ربًا سوائي". وعلى هذا فالخطاب يقال لهما في الدنيا، وقيل: يقال لهما هذا يوم القيامة لما ورد:"إذا كان يوم القيامة، أمر الله السماء الدنيا فتشقق بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها، حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر السماء التي تليها كذلك فينزلون فيكونون صفًا خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة، فتنزل ملائكة الرفيق الأعلى، فلا تأتون قطرًا من أقطارها، إلا وجدوا صفوفًا من الملائكة، فلذلك قوله تعالى: {يامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ} "الآية، والحكمة في تقديم الجن هنا على الإنس، وتأخيرهم عنهم في قوله تعالى:
{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ}
[الإسراء: 88] أن الجن أقوى من الإنس، فقدموا فيما يتعلق بالهروب، والإنس أفصح من الجن، فقدموا فيما يتعلق بالمعارضة بالقرآن، فقدم في كل موضع ما يناسبه.
قوله: (قوة) هذا أحد قولين في تفسير السطان، وقيل هو البينة والحجج الواضحة.
قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا} أي من التنبيه والتحذير والعفو، مع كمال القدرة على العقوبة.
قوله: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا} إما جملة مستأنفة قصد بها بيان أهوال يوم القيامة، وهذا على القول بأن الخطاب المتقدم في الدنيا، وأما على القول بأنه في الآخرة، فالكلام مرتبط ببعضه وليس مستأنفًا.
قوله: {شُوَاظٌ} بكسر الشين وضمها، قراءتان سبعيتان ولغتان بمعنى واحد.
قوله: (وهو لهبها الخالص من الدخان) هذان قولان من أربعة، وقيل هو اللهب الأحمر، وقيل هو الدخان الخارج من اللهب.
قوله: {وَنُحَاسٌ} إما بالرفع عطف على {شُوَاظٌ} أو الجر عطف على {نَّارٍ} قراءتان سبعيتان، لكن قراءة الجر لا بد فيها من كسر شين {شُوَاظٌ} أو إمالة {نَّارٍ} فمن قرأ بجر {وَنُحَاسٌ} بدون أحد الأمرين، فقد وقع في التلفيق.
قوله: (أي دخان) الخ، هذا التفسير إنما يناسب قراءة الرفع لا الجر، وإلا فيصير المعنى: يرسل عليكما شواظ. أي لهب من نحاس، أي دخان لا لهب فيه، وهو لا يصح إلا أن يقال الشواظ يطلق بالاشتراك على اللهب الخالص والدخان.
قوله: {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} أي لا تجدان لكما ناصرًا، واعلم أن هذا الأمر، وهو سوق الجن والإنس بالنار إلى المحشر وازدحامهم، حتى يكون على القدم ألف قدم، ليس لعموم الجن والإنس، بل ورد في أناس أنهم يخرجون من قبورهم لقصورهم، لا يحزنهم الفزع الأكبر، وكل واحد ممن حضر الموقف على قدر عمله، فمنهم من يظل في ظل العرش، ومنهم من يلجمه العرق، ومنهم من يراه قصيرًا، ومنهم من يراه طويلًا، هذا هو التحقيق.
قوله: (من ذلك) أي المذكور من الشواظ والنحاس.
قوله: (بل يسوقكم) أي المذكور منهما. قول: (لنزول الملائكة) أي لتحيط بالعالم من سائر جهات الأرض.