{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} * {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} * {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} * {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ}
قوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} مبتدأ، أي الاسم الموصول مبتدأ، و {يَحْمِلُونَ} صلته، وقوله: {وَمَنْ حَوْلَهُ} اسم الموصول معطوف على الموصول قبله، و {حَوْلَهُ} صلته، والتقدير والذين حوله، وليس معطوفًا على الضمير في {يَحْمِلُونَ} لإيهامه أن من حوله حامل أيضًا. واعلم أن حملة العرش أعلى طبقات الملائكة، وأولهم وجودًا، وهم في الدنيا أربعة، وفي يوم القيامة ثمانية، ورد: أن لكل ملك منهم وجه رجل، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر، وكل وجه من الأربعة يسأل الله الرزق لذلك الجنس، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، جناحان على وجه مخافة أن ينظر إلى العرش فيتصدع، وجناحان يصفق بهما بالهواء، يروى أن أقدامهم في تخوم الأرض السفلى والأرضون والسماوات إلى حجزهم، ورؤوسهم خرق العرش، وهم خشوع لا يرفعون أطرافهم، وهم أشد خوفًا من أهل السابعة، وأهلها أشد خوفًا من أهل السادسة وهكذا، والعرش جوهرة خضراء، وهو أعظم من المخلوقات خلقًا، ويكسى كل يوم ألف لون من النور.
قوله: {وَمَنْ حَوْلَهُ} أي وهم الكروبيون سادات الملائكة، قال وهب: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة، صف خلف صف، يطوفون بالعرش، يقبل هؤلاء ويدبر هؤلاء، يكبر فريق ويهلل فريق، ومن وراء هؤلاء سبعون ألف صف قيام، أيديهم إلى أعناقهم، واضعين لها على عواتقهم، فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم، رفعوا أصواتهم فقالوا: سبحانك اللهم وبحمدك، ما أعظمك وأجلك، أنت الله لا إله غيرك، والخلق كلهم إليك راجعون، ومن وراء هؤلاء مائة صف من الملائكة، قد وضعوا اليمنى على اليسرى، ليس منهم أحد إلا يسبح بتسبيح لا يسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم ثلاثمائة عام، وما بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه أربعمائة.
قوله: (أي يقولون سبحان الله وبحمده) أي لما ورد: أن حملة العرش، يكونون يوم القيامة ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على علمك وحلمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
قوله: (ببصائرهم) جواب عما يقال: إن وصفهم بالتسبيح، يغني عن وصفم بالإيمان، فما فائدة ذكره عقبه؟ فأجاب: بأن التسبيح من وظائف اللسان، والإيمان من وظائف القلب، فأفاد فائدة لم تكن في الأول، فذكره الاعتناء بشأنه.
قوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يطلبون المغفرة لهم. وحكمة طلبهم المغفرة لهم، أنهم تكلموا في بني آدم حيث قالوا:
{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ}
[البقرة: 30] ؟ فلما وقع منهم ذلك، أمرهم الله بالاستغفار لهم جبرًا لما وقع عنهم، ففيه تنبيه على أن من تكلم في غيره، ينبغي له أن يستغفر ربه.
قوله: (ويقولون) أي في كيفية الاستغفار لهم، وهذه الجملة المقدرة، حال من ضمير {يَسْتَغْفِرُونَ} .