{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} * {وَطُورِ سِينِينَ} * {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} * {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} * {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} * {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} * {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} * {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}
قوله: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} الخ، أقسم سبحانه وتعالى بأقسام أربعة على مقسم واحد، تعظيمًا للمقسم به، وغرابة المقسم عليه.
قوله: (أي المأكولين) هو قلو ابن عباس، وخص التين لأنه فاكهة وغذاء، ويشبه فواكه الجنة لكونه بلا عجم، ومن خواصه أنه طعام لطيف سريع الانهضام، لا يمكث في المعدة، يخرج رشحًا، ويلين الطبع، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، وهو مرض يستولي على مقر البول فيحجز الماء عن الخروج بأجزاء دقيقة كالرمل يعسر معها البول، ويتأذى به الإنسان، فإذا زاد صار حصاة، ويفتح سدد الكبد والطحال، ويسمن البدن، ويقطع البواسير، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، ومن أكلها منامًا، نال منالًا ورزقه الله أولادًا، وقد تستر آدم بورق التين حين خرج من الجنة، وأما الزيتون فهو من شجرة مباركة، فيه إدام ودهن، يؤكل ويستصبح به، وشجرته في أغلب البلاد، ولا يحتاج إلى خدمة وتربية، ويثبت في الأرض ألوفًا من السنين، ومن رأى ورق الزيتون في المنام، استمسك بالعروة الوثقى.
قوله: (أو جبلين بالشام) ما ذكره المفسر قولان من أقوال كثيرة في المراد بالتين والزيتون، ومنها: أن التين مسجد نوح عليه السلام الذي بني على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس. ومنها: أن التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى. ومنها: أن التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس، ومنها غير ذلك.
قوله: (الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى) أي وهو جبل عظيم فيه عيون وأشجار. إن قلت: كيف ذلك مع قوله تعالى:
{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا}
[الأعراف: 143] المقتضى أنه دك ولم يبق له أثر؟ أجيب: بأنه متسع، والذي دك قطعة منه، وتخصيصه لكونه مباركًا، تشرف بتكليم موسى ربه عليه.
قوله: (ومعنى سينين المبارك) أي فهو من اضافة الموصوف لصفته، و {سِينِينَ} يجوز أن يعرب بالحركات الثلاث على النون، مع لزومه الياء في أحواله كلها، ويكون ممنوعًا عن الصرف للعلمية والعجمة، لأنه علم على البقعة أو الأرض، وأن يعرب كجمع المذكر السالم بالواو رفعًا، وبالياء نصبًا وجرًا.
قوله: (لأمن الناس فيها) أي فلا ينفر صيده ولا يقطع شجره.
قوله: (الجنس) أي الماهية من حيث هي الشاملة للمؤمن والكافر.
قوله: {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أي في أعدل قامة وأحسن صورة، يتناول مأكوله بيده. مزينًا بالعلم والفهم والعقل والتمييز والنطق والأدب.
قوله: (في بعض أفراده) أشار بذلك إلى أن في الآية استخدامًا، حيث ذكر الإنسان أولًا بمعنى وهو الجنس، ثم أعاد الضمير عليه بمعنى آخر وهو الإنسان بمعنى بعض أفراده. قول: {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} السافلون هم الصغار والزمنى والأطفال، فالشيخ الكبير أسفل من هؤلاء، لأنه لا يستطيع حيلة، ولا يهتدي سبيلًا، لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله وثقله عن أهله وجيرانه.