{قَيِّمًا لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} * {مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} * {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} * {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا}
قوله: {قَيِّمًا} إن أريد به الاستقامة في المعنى، كان حالًا مؤكدة كما قال المفسر، وإن أريد به الاستقامة مطلقًا، كان حالًا مؤسسة.
قوله: (مستقيمًا) أي معتدلًا قائمًا بمصالح العباد، دنيا وأخرى، فهو مصلح لصحابه دنياه وآخرته، من حيث أنه يؤنسه في قبره ويتلقى عنه السؤال، ويكون نورًا على الصراط، ويوضع في الميزان، ويرقى به درجات الجنة، وهذا للعامل به، وقائم على غير العامل به، بمعنى أنه يكون حجة عليه، أو المعنى قيمًا حسن الألفاظ والمعاني، لكونه في أعلى طبقات الفصاحة والبلاغة. فإن قلت: ما فائدة التأكيد؟ قلنا: دفع توهم أن نفي العوج عن غالبه، لأن الحكم للغالب.
قوله: {لِّيُنْذِرَ} متعلق بأنزل، وهو ينصب مفعولين، قدر المفسر الأول بقوله: (الكافرين) والثاني هو قوله: {بَأْسًا} ، وقوله: {وَيُنْذِرَ} معطوف على قوله: {لِّيُنْذِرَ} الأول؛ وحذف مفعوله الثاني لدلالة ما هنا عليه، وذكر مفعوله الأول، ففي الكلام احتباك، حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر قوله: (الكتاب) هو فاعل {يُنْذِرَ} وفي بعض النسخ (بالكتاب) وحينئذٍ فيكون فاعل الإنذار، إما ضمير عائد على الله، أو على محمد.
قوله: {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} نعت للمؤمنين، وقوله: {أَنَّ لَهُمْ} أي بأن لهم، وإنما ذكر المفعولين معًا لعدم، النظير لهم، بخلاف أهل الإنذار، فأنواعهم مختلفة.
قوله: {مَّاكِثِينَ} أي مقيمين فيه.
قوله: (هو الجنة) أي الأجر الحسن.
قوله: (من جملة الكافرين) أشار بذلك إلى أن قوله: {وَيُنْذِرَ} معطوف على {لِّيُنْذِرَ} الأول، عطف خاص على عام، والنكتة التشنيع والتقبيح عليهم، حيث نسبوا لله الولد، وهو مستحيل عليه، قال تعالى:
{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا}
[مريم: 90 - 92] .
قوله: {الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} أي مولودًا ذكرًا أو أنثى، فيشمل النصارى واليهود ومشركي العرب.
قوله: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي لاستحالته عليه عقلًا.
قوله: (بهذا القول) هذا أحد أوجه في مرجع الضمير، والثاني أنه راجع للولد، أي أنهم نسبوا له الولد، مع عدم علمهم به لاستحالته وعدم وجوده، الثالث أنه راجع لله، أي ليس لهم علم بالله، إذ لو علموه لما نسبوا له الولد.
قوله: (من قبلهم) بفتح الميم بدل من آبائهم، أي فالمراد بآبائهم من تقدمهم عمومًا، وليس المراد بهم خصوص من لهم عليها ولادة.
قوله: {كَبُرَتْ كَلِمَةً} كبر فعل ماض لإنشاء الذم، والتاء علامة التأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي، و (كلمة تمييز) له والمخصوص بالذم محذوف قدره المفسر بقوله: (مقالتهم) وهذه الجملة مستأنفة لإنشاء ذمهم، ونظيرها قوله تعالى:
{كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}
[الصف: 3] .
قوله: {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي من غير تأمل وتدبر فيها، بل جرت على ألسنتهم من غير سند.
قوله: (في ذلك) أي في هذا المقام، وهو نسبة الولد لله.
قوله: {إِلاَّ كَذِبًا} صفة لموصوف محذوف، قدره المفسر قوله: (مقولًا) .