{قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} * {وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} * {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}
قوله: {قُلْ أَنَدْعُواْ} قيل سبب نزولها أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه دعا والده إلى عبادة الأصنام، فنزلت الآية أمرًا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرد على عبد الرحمن ومن يقول بقوله، وفيه اعتناء بشأن الصديق وإظهار لفضله، حيث وجه الأمر إلى رسول الله، وفي الواقع الأمر لأبي بكر، والمعنى لا يليق منا عبادة من لا ينفعنا إذا عبدناه، ولا يضرنا إذا تركناه.
قوله: {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا} معطوف على أندعوا، فهو داخل في حيز الاستفهام.
قوله: {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ} أي بعد وقت هداية الله لنا.
قوله: {كَالَّذِي} صفة لموصوف محذوف، أي نرد ردًا مثل الذي استهوته، والاستهواء من الهوى وهو السقوط من علو إلى سفل، سمى الاضلال بذلك، لأن من سقط من علو إلى سفل ولم يجد محلًا يستند عليه هلك، فكذلك من ترك الدين القويم ولم يتبعه هلك ولا يجد ناصرًا وقد صرح بالمراد من هذا التشبيه في قوله تعالى:
{وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}
[الحج: 31] والحاصل أن المشرك بالله مع وجود من يدله على التوحيد، مثله مثل من اختطفته الشياطين وسارت به في المفاوز والمهالك، مع سماعه مناداة من يأخذ بيده ويخلصه منهم وهو مفرط وراض لنفسه بذلك، والمراد بالشياطين ما يشمل شياطين الإنس.
قوله: {فِي الأَرْضِ} متعلق باستهوته.
قوله: حال من الهاء) أي في استهوته.
قوله {لَهُ أَصْحَابٌ} جملة في محل نصب صفة لحيران قوله: (والاستفهام الخ) أي وهو قوله أندعوا، والمعنى لا ينبغي غير الله بعد هدايته لنا، لأن من عبد غير الله بعد إيمانه بالله، كان كمثل من أخذته الشياطين فصار حيران لا يدري أين يتوجه، مع كون أصحابه يدعونه إلى الطريق المستقيم فلا يجيبهم.
قوله: {هُوَ الْهُدَى} أي التوفيق والاستقامة والجملة المعرفة الطرفين تفيد الحصر، فهو بمعنى إن الدين عند الله الإسلام.
قوله: {وَأُمِرْنَا} أي أمرنا الله بأن نسلم بمعنى نوحد وننقاد لرب العالمين.
قوله: {وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ} قدر المفسر الباء إشارة إلى أنه معطوف على أن نسلم، فهو داخل تحت الأمر أيضًا، وفيه التفات من التكلم للخطاب، وعطف التقوى عليه من عطف العام، وخص الصلاة بعد الإسلام لأنها أعظم أركانه.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} هذا دليل للأمر المتقدم وموجب لامتثاله، والمعنى امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، لأنكم تجمعون إليه ويحاسبكم.
قوله: (أي محقًا) أشار بذلك إلى أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال، أي حال كونه محقًا أي موصوفًا بالحقية وهو وجوب الوجود الذي لا يقبل الزوال، ويحتمل أن يكون المعنى محقًا لا هازلًا ولا عابثًا، بل خلقهما لحكم ومصالح لعباده، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: