قوله: {اهْدِنَا} أي زدنا هداية وأدمنا عليها، والهداية تطلق على الدلالة والتبيين وإن لم يحصل وصول نحو
{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}
[فصلت: 17] أي بينا لهم، وتطلق عليهما مع الوصول للخير وهو المراد هنا، ومادة الهداية تتعدى لمفعولين: الأول بنفسها، والثاني إما كذلك كما هنا، وإما باللام أو إلى، قال تعالى:
{يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}
[الإسراء: 9]
{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}
[الشورى: 52] .
قوله: {الصِّرَاطَ} هو في الأصل الطريق الحسي، والمراد به هنا دين الإسلام، ففيه استعارة تصريحية أصلية، حيث شبه دين الإسلام بالطريق الحسي، بجامع أن كلًا موصل للمقصود، واستعير اسم المشبه به للمشبه، وأصل صراط بالصاد سراط بالسين، وبها قرأ قنبل حيث ورد: أبدلت صادًا لأجل حرف الاستعلاء، وقد تشم الصاد زايًا وبه قرأ خلف وكلها سبعي، لكن لم ترسم في المصحف إلا بالصاد و {الصِّرَاطَ} يذكر ويؤنث، فالتذكير لغة تميم، والتأنيث لغة الحجاز، وجمعه صرط ككتاب وكتب.
قوله: {الْمُسْتَقِيمَ} اسم فاعل من استقام، أي استوى من غير اعوجاج، وأصله مستقوم أعل كإعلال {نَسْتَعِينُ} .
قوله: (ويبدل منه) أي بدل كل من كل، أتى به زيادة في مدح الصراط.
قوله: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} الإنعام إيصال الإحسان إلى الغير، بشرط أن يكون ذلك الغير من العقلاء، فلا يقال: أنعم فلان على فرسه، ولا على حماره.
قوله: (بالهداية) أشار بذلك إلى أن المراد بالمنعم عليها المؤمنون، وهو أحد أقوال للمفسرين، وقيل: هم المذكورون في قوله تعالى:
{فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ}
[النساء: 69] وقيل: هم الأنبياء خاصة، وقيل: المراد بهم أصل فهدينا موسى وعيسى قبل التحريف والنسخ، وحذف متعلق {أَنْعَمْتَ} ليؤذن بالعموم، فيشمل كل نعمة، ونعم الله تعالى لا تحصى باعتبار أفرادها، قال تعالى:
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}
[إبراهيم: 34] وأما باعتبار جملتها فتحصى لأنها قسمان: دنيوية وأخروية. والأول: إما وهبي أو كسبي، والوهبي: إما روحاني كنفخ الروح والتزيين بالعقل والفهم والفكر والنطق، أو جسماني كتخلق البدن والقوى الحالة فيه والصحة وكمال الأعضاء، والكسبي كتزكية النفس وتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والفضائل. والثاني: وهو الأخروي، أنه يغفر ما فرط منه، وينزله أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الأبدين ودهر الداهرين.
قوله: {عَلَيْهِم} لفظ {عَلَيْهِم} الأول في محل نصب على المفعولية، والثاني في محل رفع نائب {الْمَغْضُوبِ} وفيه عشر لغات، ست مرويات عن القراء الثلاثة، الأول منها سبعيات وهي: كسر الهاء وضمها مع إسكان الميم فيهما، وكسر الهاء وضم الميم بواو بعد الضمة، وكسر الهاء والميم بياء بعد الكسرة للإشباع، وضم الهاء الميم بواو بعد الضمة وبدونها، وأربع لم يقرأ بها وهي: ضم الهاء مع كسر الميم وأدخال ياء بعدها، وضم الهاء وكسر الميم من غير ياء، وكسر الهاء مع ضم الميم، وكسر الهاء والميم من غير ياء.