{أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ} * {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} * {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} * {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} * {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} * {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} * {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} * {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}
قوله: {أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ} ألهى فعل ماضي رباعي، والكاف مفعول مقدم، {التَّكَّاثُرُ} فاعل مؤخر، فالهمزة من بنية الكلمة تثبت ولو في الدرج، والمعنى شغلكم التباهي بكثرة الأموال عن عبادة ربكم، {التَّكَّاثُرُ} تفاعل كالتجاذب، وهو يكون بين اثنين، لأن أحد الشخصين المتفاخرين يقول لصاحبه:
{أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}
[الكهف: 34] وأل في التكاثر للعهد، وهو التكاثر في الدنيا، ولذاتها وعلائقها المشغل عن حقوق الله تعالى.
قوله: (عن طاعة الله) هي شاملة للواجبة والمندوبة.
قوله: (والرجال) أي الانتساب إليهم كالأقرباء والأحباب.
قوله: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} حتى غاية للإلهاء المذكور، وهذا هو محط الذم وإلا فإن تاب من ذلك قبل موته، وقيل: وكأنه لم يحصل منه تكاثر.
قوله: (بأن متم فدفنتم فيها) أي فيقال: زار قبره إذا مات ودفن، والمعنى: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم، حتى أتاكم الموت وأنتم على ذلك، ولا يقال: إن الزيارة تكون ساعة وتنقضي، والميت يمكث في قبره لأنا نقول: إن الموتى يرتحلون من القبور للحساب، فكان مدة مكثه في قبره زيارة له، والمقابر جمع مقبرة بتثليث الباء، وهي المحل الذي تدفن فيه الأموات، قوله: (أو عددتم الموتى) تفسير ثاني للزيارة، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكمًا بهم، وعليه فزيارة المقابر كناية عن الانتقال من ذكر الإحياء إلى ذكر الأموات تفاخرًا، وإنما كان تهكمًا لأن زيارة القبور شرعت، لتذكر الموت ورفض حب الدنيا، وترك المباهاة والتفاخر، وهؤلاء عكسوا، حيث جعلوا زيارة القبور سببًا لمزيد القساوة، والاستغراق في حب الدنيا، والتفاخر في الكثرة. فحاصل الوجهين راجع إلى أن المراد بالزيارة، إما الانتقال إلى الموت، أو الانتقال من ذكر الأحياء إلى ذكر الأموات، وتعدادهم والتفاخر بهم، ومن ذلك ما يفعله أهل زماننا، ومن زخرفة النعوش والقبور، وما يتبع ذلك مما هو مذموم شرعًا طبعًا، وأما ذكر مكارم الأخلاق والطاعات فيجوز، إن لم يكن على وجه التعجب، بل على سبيل التحدث بالنعم أو ليقتدي به.
قوله: (ردع) مشى المفسر على أن كلا الأولى والثانية حرف ردع، والثانية بمعنى حقًا، ومشى غيره على التسوية بين الثلاثة، فهي إما للردع أو بمعنى حقًا، وقيل: إنها في الثلاثة بمعنى ألا الاستفتاحية.
قوله: (عند النزع ثم في القبر) لف ونشر مرتب فقوله: (عند النزع) راجع لقوله: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} الأول، وقوله: (ثم في القبر) راجع للثاني، و {ثُمَّ} على بابها من المهلة، وهذا قول علي بن أبي طالب، والحكمة في حذف متعلق العلم من الأفعال الثلاثة، أن الغرض هو الفعل لا متعلقة، والعلم بمعنى المعرفة، فيتعدى لمفعول واحد أشار له المفسر بقوله: (سوء عاقبة تفاخركم) .
قوله: (أي علمًا يقينًا) أشار بذلك إلى أن إضافة العلم إلى {الْيَقِينِ} من إضافة الموصوف إلى صفته، والمعنى: لو تعلمون ما بين أيديكم علمًا يقينًا ما شغلكم التكاثر عن طاعة الله تعالى.