{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} * {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} * {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} * {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} * {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}
قوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ} الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أميل لزخارفكم التي زينها الشيطان. فغير الله أبتغي حكمًا، وغير مفعول لأبتغي، وحكمًا حال أو تمييز، أو حكمًا مفعول وغير حال، والحكم أبلغ من الحاكم لأن الحكم من تكرر منه الحكم، وأما الحاكم فيصدق ولو بمرة، أو لأن الحكم لا يجوز أصلًا، والحاكم قد يجور.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ} الجملة حالية كأنه قال: أفغير الله أطلب حكمًا، والحال أن الله هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا، فالذي يشهد لي هو القرآن، وأما الكتب القديمة فإنها وإن كانت تشهد له أيضًا، لكن لما غيروا وبدلوا، صارت غير معول عليها.
قوله: (وأصحابه) أي ممن أسلم من علماء اليهود.
قوله: {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ} أي الكتاب.
قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان، قوله: {بِالْحَقِّ} متعلق بمحذوف حال، والتقدير أنه منزل من ربك حال كونه متلبسًا بالحق.
قوله: (والمراد بذلك التقرير الخ) دفع بذلك ما يقال إن الشك مستحيل على النبي، فكيف ينهى عما يستحيل وصفه به، فأجاب بما ذكر، وأجيب أيضًا بأنه من باب التعريض للكفار بأنهم هم الممترون، فالخطاب له والمراد غيره.
قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي القرآن وفيها قراءتان: الجمع والإفراد، فالجمع ظاهر، والإفراد على إرادة الجنس والماهية، وترسم بالتاء المجرورة على كل من القراءتين، وهكذا ما قرئ بالجمع والإفراد إلا موضعين: أحدهما في يونس في قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ}
[يونس: 96] وثانيهما في غافر في قوله تعالى:
{وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ}
[غافر: 6] فاختلف فيها المصاحف، فبعضهم بالتاء المجرورة، وبعضهم بالتاء المربوطة.
قوله: (بالأحكام والمواعيد) راجع لقوله: {صِدْقًا وَعَدْلًا} على سبيل اللف والنشر المشوش، ولو أخره لكان أحسن، والمعنى: تمت كلمات ربك من جهة الصدق، كالأخبار والمواعيد، والعدل كالأحكام فلا جور فيها، وهذا إخبار من الله بحفظ القرآن من التغيير والتبديل، كما وقع في الكتب المتقدمة، وذلك سر قوله تعالى:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}
[الحجر: 9] وقوله تعالى:
{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}
[الإسراء: 106] .
قوله: (تمييز) أي على التوزيع، أي صدقًا في مواعيده وعدلًا في أحكامه، ويصح أن يكون حالًا من ربك، ويؤول المصدر باسم الفاعل، أي حال كونه صادقًا وعادلًا.
قوله: {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ} هذا كالتوكيد لقوله: {تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} ، وقوله: (بنقض أو خلف) راجع لقوله: {صِدْقًا وَعَدْلًا} على سبيل اللف والنشر المرتب.
قوله: (أي الكفار) تفسير للأكثر.
قوله: {إِن يَتَّبِعُونَ} قدر المفسر ما إشارة إلى أن إن نافية بمعنى ما.
قوله: (إذ قالوا الخ) إشارة لسبب نزول هذه الآية وما بعدها، وذلك أن المشركين قالوا للنبي: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: الله قتلها.