{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} * {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} * {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}
قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} سبب نزولها دعاء عمر رضي الله عنه بقوله: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، وذلك أنه لما نزل قوله تعالى:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}
[البقرة: 219] الآية أحضر رسول الله عمر وقرأها عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا ثم نزلت
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}
[النساء: 43] فأحضره رسول الله وقرأها عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت هذه الآية، فأحضره وقرأها عليه فقال: انتهينا يا رب، وذكرت عقب ما قبلها، لأنه لما نهي فيما قبلها عن تحريم الطيبات مما أحلّ الله، وكانت الخمر والميسر مما يستطاب عندهم، ربما يتوهم أنهما داخلان في جملة الطيبات، فأفاد أنهما ليسا كذلك.
قوله: (الذي يخامر العقل) أي يستره ويغطيه ولو كان متخذًا من غير العنب.
قوله: (القمار) من المقامرة وهي المغالبة، لأم كلًا يريد المغالبة لصاحبه، والمراد بالقمار اللعب بالملاهي، كالطاب والطولة والمنقلة، فيحرم اللعب بذلك إذا كان بمال إجماعًا، وبغيره ففيها الخلاف بين العلماء بالكراهة والحرمة ما لم يضيع بسببها الفرائض، وإلا فحرام إجماعًا، وسمي ميسرًا، لأن فيه أخذ المال بيسر.
قوله: {وَالأَنصَابُ} جمع نصب، سميت بذلك لأنها تنصب وترفع للعبادة.
قوله: (قداح الاستقسام) تقدم أنها سبعة.
قوله: {رِجْسٌ} خبر عن كل واحد مما تقدم من الخمر وما بعده، وحيث قرن الخمر والميسر بالأنصاب والأزلام، فهو دليل على أنهما من الكبائر، وقوله: (خبيث مستقذر) تفسير للرجس، وأما الرجز فهو العذاب، وأما الركس فهو العذرة والشيء النتن.
قوله: (الذي يزينه) أي يأمر به ويحسنه، وليس المراد من عمل يده.
قوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الترجي في كلام الله تعالى للتحقيق.
قوله: {فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} إنما أعادهما ثانيًا لأنهما اللذان كانا في المسلمين، بخلاف الأنصاب والأزلام، وذكرهما أولًا لمزيد التنفير عنهما، وأكد التحريم بأمور، وإنما جمعهما مع الأنصاب والأزلام، وكونهما رجسًا من عمل الشيطان، وكون اجتنابهما موجبًا للفلاح، وكونهما يصدان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان في العداوة والبغضاء والاستفهام التهديدي.
قوله: (خصهما بالذكر) أي الصلاة مع دخولها في الذكر.
قوله: (أي انتهوا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام بمعنى الأمر، وهو استفهام تمهيدي، وهو أبلغ من الأمر صريحًا كأنه قيل: قد بينت لكن ما في هذه الأمور من القبائح، فهل أنتم منتهون عنها، أم أنتم مقيمون عليها فلكم الوعيد.
قوله: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ} معطوف على معنى الاستفهام، أي انتهوا وأطيعوا.
قوله: {وَاحْذَرُواْ} (المعاصي) أي فإنها تجر إلى الكفر.
قوله: {أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} أي وقد فعله، فلم ينتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى، حتى بلغ ما أمر بتبليغه، ففي الحديث:"تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ونهارها كليلها، لا يضل عنها إلا هالك"قوله: (وجزاؤكم علينا) أشار بذلك إلى أن جواب الشرط محذوف.