فهرس الكتاب

الصفحة 775 من 2232

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، فقمت، وبادر رجال من بني سلمة قاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فوالله ما زالوا يلومونني لومًا عنيفًا، حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحدًا؟ قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع المعمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، لي فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، فتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، وكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فاسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، فإذا التفت نحوه، أعرض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله، فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم، حتى يقضي الله في هذا الأمر، فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت بفتح الميم لنا خمسون ليلة، من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر، صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج، وأن رسول الله، أي اعلم الناس بتوبة الله علينا حين صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبيَّ مبشرون، وركب رجل إلي فرسًا وركضها، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك من الثياب غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله، فتلقاني الناس وجاؤوا يهنئوني بالتوبة يقولون: لتهنك بفتح التاء توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك امك، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: لا، بل من عند الله، وكان رسول الله إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسول الله: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وأنزل الله على رسول الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت