قوله: {وَرُهْبَانًا} جمع راهب وهو الزاهد التارك للدنيا وشهواتها.
قوله: (نزلت في وفد النجاشي) أي واسمه أصحمة وقيل صحمة. وحاصل ذلك: أنه سنة خمس من البعثة، اشتد أذى الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن أسلم، ولم يكن أمر بجهاد، فأمر الصحابة الذين لا غزوة لهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وهي الهجرة الأولى، وقال إن بها ملكًا صالحًا لا يظلم عنده أحد، فأخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجًا، فخرج إليها أحد عشر رجلًا وأربع نسوة سرًا، منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا إلى البحر، وأخذوا سفينة بنصف دينار إلى أرض الحبشة، وذلك في رجب، ثم تتابع المسلمون فكانوا اثنين وثمانين رجلًا سوى النساء والصبيان، فلما كانت وقعة بدر وقتل فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: إن ثأركم بأرض الحبشة فأهدوا إلى النجاشي، وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده لتقتلوهم بمن قتل منكم ببدر، فبعث كفار قريش وأحلامهم وزعم أنه نبي، وأنه قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم، وإن قومنا يسألونك أن تردهم إليهم، فقال: حتى نسألهم، فأمر بهم فأحضروا، فلما أتوا باب النجاشي قالوا يستأذن أولياء فقال: ائذنوا لهم فمرحبًا بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من المشركين أيها الملك ألا ترى أنا صدقناك إنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها، فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم النجاشي: ما يقول صاحلكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول هو عبد الله ورسوله وكلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في مريم إنها العذراء البتول، قال فأخذ النجاشي عودًا من الأرض وقال: والله ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذا العود فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم، فقال: هل تعرفون شيئًا مما أنزل على صاحبكم؟ قالوا نعم، قال: اقرؤوا فقرأ جعفر سورة مريم، وهناك قسيسون ورهبانيون وسائر النصارى، فعرفوا ما قرأ فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل الله تعالى فيهم {ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ} الخ الآيتين، فقال النجاشي لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون، وفي بعض الروايات أن عمرًا أسلم على يد النجاشي. وبذلك يلغز فيقال صحابي أسلم على يد تابعي، لأن النجاشي لم يجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو اجتمع به بعد مقدمه من الحبشة، وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جوار، إلى أن هاجر رسول الله إلى المدينة وعلا أمره وقهر أعداءه، وذلك سنة ست من الهجرة، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت هاجرت مع زوجها ومات عنها، فأرسل النجاشي جارية يقال لها أبرهة إلى أم حبيبة يخبرها أن رسول الله قد خطبها فسرت بذلك وأعطت الجارية أوضاحًا كانت لها، وأذنت لخالد بن سعيد في نكاحها فأنكحها لرسول الله على صداق مبلغه أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول الله النجاشي، فأرسل إليها بجميع الصداق على يد جاريته أبرهة، فلما جاءتها بالدنانير وهبتها منها خمسين دينارًا فلم تأخذها وقالت إن الملك أمرني أن لا آخذ منك شيئًا، وقالت أنا صاحبة ذهب الملك وثيابه، وقد صدَّقت بمحمد وآمنت به، وحاجتي إليك مني أن لا تقرئيه مني السلام، قالت: نعم، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من دهن وعود، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاصر خيبر، قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله بخيبر، فخرج من قدم معي وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله فدخلت عليه، فكان يسألني عن النجاشي فقرأت عليه السلام من أبرهة جارية الملك، فرد رسول الله عليها السلام، وأنزل الله