وأول من وسع فيه، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكانوا يشترون دور مكة ويدخلونها فيه.
قوله: {إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا} هو أول مسجد بني في الأرض بعد الكعبة، بناه آدم بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة، والحكمة في الإسراء به إلى بيت المقدس، ليظهر شرفه على جميع الأنبياء والمرسلين، لأنه صلى بهم إمامًا في مكانهم، وشأن الذي يتقدم على الإنسان في بيته، يكون هو السلطان، لأن السلطان له التقدم على غيره مطلقًا، وليسهل على أمته المحشر، حيث وضع قدمه فيه، فإن الخلق يحشرون هناك.
قوله: (بيت المقدس) من إضافة الموصوف لصفته، أي البيت المقدس، أي المطهر من عبادة غيره تعالى، ولذا لم يعبد فيه صنم قط.
قوله: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} أي بركة دنيوية بالثمار والأنهار كما قال المفسر، وأما في داخله فليست مختصة به، بل البركة في كلا المسجدين، بل هي أتم في المسجد الحرام.
قوله: {لِنُرِيَهُ} اللام للحكمة، أي حكمة إسرائنا به رؤيته من آياتنا، وعامة القراء على قراءته بالنون، وقرأ الحسن ليريه بالياء، فعلى الأول يكون في الكلام التفاتان، الأول من الغيبة للمتكلم في قوله: {بَارَكْنَا} و {لِنُرِيَهُ} ، الثاني في قوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} وعلى الثاني يكون فيه أربع التفاتات: الأول من الغيبة في قوله: قوله: {بِعَبْدِهِ} إلى التكلم في قوله: {بَارَكْنَا} . الثاني من التكلم إلى الغيبة في {لِنُرِيَهُ} . الثالث من الغيبة إلى التكلم في قوله: {مِنْ آيَاتِنَآ} . الرابع من التكلم إلى الغيبة في قوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ومن في قوله: {مِنْ آيَاتِنَآ} للتبعيض، أي لنريه بعض آياتنا، وإنما أتى بها تعظيمًا لآيات الله، أي أن محمدًا، وإن ما رأى، من الآيات العظيمة والعجائب الفخيمة، فهو بعض بالنسبة لآيات الله، وعجائب قدرته، وجلائل حكمته. إن قلت: إن ما هنا يقتضي التبعيض، وقوله تعالى في حق إبراهيم
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}
[الأنعام: 75] أنه لا تبعيض، فظاهر هذا، أن ما رآه إبراهيم، أكثر مما رآه محمد، وهو خلاف الإجماع. أجيب: بأن ملكوت السماوات والأرض، بعض الآيات العظيمة التي رآها محمد، فإبراهيم رأى بعض البعض.
قوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} المشهور أن الضمير عائد على الله تعالى، أي هو السميع للأقوال، البصير بالأحوال والأفعال، وقيل الضمير عائد على النبي صلى الله عليه وسلم، وحكمة الإتيان بهذين الوصفين، الثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث شاهد ما شاهد، وسمع ما سمع، ولم يزغ بصره، ولم يدهش سمعه، فهو نظير قوله تعالى:
{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}
[النجم: 17] إشار إلى علو مقامه ورفعة شأنه، ولذا قال العارف البرعي:
وإن قابلت لفظة لن تراني…بما كذب الفؤاد فهمت معنى
فإن الله كلم ذاك وحيا…وكلم ذا مشافهة وأدنى