قوله: (ويعلمونهم) {مَآ أُنْزِلَ} أشار بذلك إلى أن ما اسم موصول معطوف على السحر من عطف الخاص على العام، والنكتة قوة ما أنزل على الملكين وصعوبته ويحتمل أنه مغاير، وأن ما أنزل على الملكين وإن كان سحرًا إلا أنه نوع آخر منه غير متعارف بين الناس.
قوله: (وقرئ) أي قراءة شاذة وفيها دليل لمن يقول إنهما ليسا ملكين حقيقيين وإنما هما رجلان صالحان، وسيما بذلك لحسنهما وصلاحهما على حد ما قيل في يوسف (ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم) . قول: (الكائنين) قدرة إشارة إلى أن ببابل جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة للملكين.
قوله: {بِبَابِلَ} ممنوع من الصرف للعلمية، أو العجمية مأخوذ من البلبلة لأن أهلها يتكلمون بثمانين لغة، وأول من اختطفها نوح وسماها ثمانين. قول: {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} هما ممنوعان من الصرف للعلمية والعجمة، ويجمعان على هواريت ومواريت، أو على هوارية وموارية مأخوذان من الهرت والمرت وهو الكسر، ولكن حيث قلنا إنهما أعجميان فلا يتصرف فيهما أحد ولا يعلم لهما اشتقاق.
قوله: (هما ساحران) قدم هذا القول إشار لقوته وأنهما رجلان ساحران وليسا بملكين.
قوله: (ابتلاء من الله) أي اختبارًا وامتحانًا، وقصة هاروت وماروت على القول بثبوتها، أن الملائكة لما رأوا أعمال بني آدم الخبيثة تصعد إلى السماء قالوا سبحانك يا ربنا خلقت خلقًا وأكرمتهم وهم يعصونك، فقال الله تعالى لهم لو ركبت فيكم ما ركبت فيهم لفعلتم فعلهم، فقالوا سبحانك لا نعصيك أبدًا، فقال: اختاروا لكم ملكين فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلحهم، فركب الله فيهما الشهوة وأمرهما بالهبوط إلى الأرض والحكم بين الناس بالحق، ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا وشرب الخمر، وعلمهما الله الإسم الأعظم، فكان إذا أمسى الوقت صعدا به إلى السماء، ثم إنه جاءت إليهما امرأة تسمى الزهرة وكانت جميلة جدًا، فلما وقع نظرهما عليها أخذت بقلوبهما فراوداها فأبت إلا أن يقتلا ففعلا، ثم راوداها فأبت إلا أن يشربا الخمر ففعلا، ثم راوداها فأبت إلا أن يسجدا للصنم ففعلا، ثم راوداها فأبت إلا أن يعلماها الاسم الذي يصعدان به إلى السماء ففعلا، فتلته فصعدت به إلى السماء فمسخها الله كوكبًا فهي الزهرة المعروفة، فلما علما ذلك أرادا تلاوة الاسم الأعظم فلم تطاوعهما أجنحتهما، فذهبا إلى إدريس وسألاه أن يشفع لهما عند الله ففعل ذلك، فخيرهما الله بين عذاب الدنيا والآخرة. فاختارا عذاب الدنيا لعلمهما بانقطاعه، فهما ببابل معلقان بشعورهما يضربان بسياط من حديد إلى يوم القيامة، مزرقة أعينهما مسودة جلودهما، وما زالا يعلمان الناس السحر، وقد اختلف في صحة هذه القصة وعدمها، فاختار الحافظ ابن حجر الأول لورودها من عدة طرق عن الإمام أحمد بن حنبل، واختار البيضاوي ومن تبعه الثاني لأنه لم تثبت روايتها إلا عن اليهود.