إن قلت: إن البعثة على رأس الأربعين وميلاده كان في ربيع، فيكف يكون مبدأ الوحي في رمضان ليلة القدر؟ أجيب: بأنه ألغى الكسر أو جبر أو ذلك، بناء على أن ميلاده في رمضان؛ وقد قيل به، أو مبدأ الوحي المنام في ربيع، ومبدأ إنزال القرآن في رمضان، وحكمة إنزاله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم إنزاله منها مفرقًا ولم ينزله مفرقًا من اللوح، أن سماء الدنيا مشتركة بين العالم العلوي والسفلي، فإنزاله إليها جملة فيها تعجيل لمسرته بنزول جميعه عليه، وإنزاله منها مفرقًا فيه تأنيس للقلوب، وترويج للنفوس، وتلطف به صلى الله عليه وسلم وبأمته، فلم يفته نزوله جملة ولا مفرقًا.
قوله: (الشرف والعظم) هذا أحد اقوال، وقيل: {الْقَدْرِ} بمعنى تقدير الأمور، أي إظهارها في دواوين الملإ الأعلى، سميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر الموت والأجل والرزق وغير ذلك، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم الأربعة الرؤساء: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وقولنا: أي إظهارها في دواوين الملأ الأعلى، يدفع ما أورد أن تقدير الأمور أزلي، فإن قلت: إن تقدير الأمور ليلة النصف من شعبان يجاب: بأن ابتداء التقدير ليلة النصف من شعبان وتسليمه للملائكة ليلة القدر، وقيل: القدر بمعنى الضيق من قوله:
{فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ}
[الفجر: 16]
{فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ}
[الأنبياء: 87] لضيق الفضاء بازدحام مواكب الملائكة فيها.
قوله: {مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} أي ما مقدار شرفها، وليس المراد ما حقيقتها، فإنها مدة مخصوصة من الزمن.
قوله: (تعظيم لشأنها) أي تفخيم لأمرها، قال سفيان بن عيينة: إن كل ما في القرآن من قوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ} أعلم الله به نبيه صلى الله عليه وسلم وما فيه، وما يدريك لم يعلمه به، والمراد إعلام الله تعالى في ذلك السياق نفسه، فلا ينافي أنه عليه السلام لم يخرج من الدنيا، حتى أعلمه الله بكل ما خفي عنه مما يمكن البشر علمه، وأما التسوية بين علم القديم والحادث فكفر.
قوله: {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} أي وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، واختلف في حكمة ذكر العدد، فقيل: المقصود الكثرة، وقيل: إنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني إسرائيل، حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله عز وجل ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، وتمنى ذلك لأمته فقال: يا رب جعلت أمتي أقصرر الأمم أعمارًا وأقلها أعمالًا، فأعطاه الله ليلة القدر، فهي من خصائص هذه الأمة، وهي باقية على الصحيح، خلافًا لمن قال برفعها مستدلًا بحديث:"خرجت لأعلمكم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت"