فهرس الكتاب

الصفحة 1657 من 2232

{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}

[النساء: 48] ومن هنا قيل: رحمة الله غلبت غضبه، لأن دار الغضب مخصوصة بمن مات مشركًا، بخلاف دار الرحمة، فهي لمن عدا ذلك.

قوله: (لمن تاب من الشرك) إنما خص الشرك، لأن التوبة منه مقبولة قطعًا بنص قوله تعالى:

{قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}

[الأنفال: 38] بخلاف التوبة من غير الشرك، ففيها قولان: قيل مقبولة ظنًا، وقيل قطعًا، والفرق أن تعذيب العاصي تطهير، وتعذيب الكافر غضب، فمآل العاصي للجنة، وإن طالت مدته في النار، لأن معاملته بالفضل والرحمة بخلال الكافر، فمعاملته بالعدل.

قوله: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} تعليل لما قبله، وهذان الوصفان يكونان لمن تاب، فالغفران له دخول الجنة.

قوله: {وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ} أتى بهذه الآية عقب التي قبلها لئلًا يتكل العاصي على الغفران، ويترك التوبة والرجوع إلى الله، فأفاد أن الرجوع إلى الله والإقبال عليه مطلوب، ومن ترك ذلك فله الوعيد العظيم.

قوله: (إن لم يتوبوا) راجع لقوله: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ} .

قوله: {وَاتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} أي على لسان أحسن نبي وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا معطوف على قوله: {وَأَنِيبُواْ} والمعنى: ارجعوا إلى ربكم، والزموا أوامر أحسن كتاب أنزل إليكم ونواهيه، وهذا الخطاب عام للأولين والآخرين من لدن آدم إلى يوم القيامة، ولكن من أدركه التكليف كلف باتباعه، ومن لم يدركه بأن كان متقدمًا عليه، يلزمه اتباعه لو فرض أنه أدركه، ومن هنا أخذ الميثاق على الأنبياء وأممهم، إن ظهر محمد صلى الله عليه وسلم واحدهم حي يلزمه اتباعه، وفي الحديث:"لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي"وحينئذ فالمعنى: اتبعوا يا عبادي من أول الزمان لآخره، أحسن كتاب أنزل إليكم من ربكم، فالمكلف بها الخطاب من أدركه ومن لم يدركه، لكم من لم يدركه مكلف به لولا مانع الموت، ولذا كلف به من بقي حيًا حتى أدركه، كالخضر وإلياس وعيسى عليهم السم.

قوله: (القرآن) تفسير لأحسن، فإن ما أنزل إلينا من ربنا كتب كثيرة، وأحسنها القرآن، وهذا كله على ما فهم المفسر، وقيل: معنى {أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم} الخ، أي من القرآن وهو أوامره جون نواهيه، أو عزائمه دون رخصته، أو ناسخه دون منسوخه، أو ما هو أعم، والخطاب لخصوص هذه الآمة فتدبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت