فقذف إليه الياس بكسائه من الجو الأعلى، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني اسرائيل، وكان ذلك آخر العهد به، ورفع الله الياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش، فصار إنسيًا ملكيًا أرضيًا سماويًا، ونبأ الله تعالى اليسع، وبعثه رسولًا إلى بني اسرائيل، وأوحى الله إليه وأيده، فآمنت به بنو اسرائيل، وكانوا يعظمونه وحكم الله تعالى فيهم قائم، إلى أن فارقهم اليسع، وقد أعطى الله الياس معجزات جمة منها: تسخير الجبال له، والأسود وغيرهما، وأعطاه الله قوة سبعين نبيًا، وكان على صفة موسى في الغضب والقوة. روي أن الياس والخضر يصومان رمضان كل عام ببيت المقدس، ويحضران موسم الحج كل عام، ويفترقان على أربع كلمات: بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، بسم الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، وقيل في الرواية غير ذلك، والياس موكل بالفيافي والقفار، والخضر موكل بالبحار، ولا يموتان إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن. وعن أنس قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا عند عند فج الناقة، فسمعت صوتًا يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد، المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أنس انظر ما هذا الصوت؟ فدخلت الجبل، فإذا رجل عليه ثياب بيض، أبيض الرأس واللحية، طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فلما رآني قال: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: نعم، قال: فارجع إليه فاقرأه السلام وقل له: هذا أخوك الياس يريد أن يلقاك، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فجاء يمشي وأنا معه، حتى إذا كنا قريبًا منه، تقدم النبي وتأخرت أنا، فتحدثا طويلًا، فنزل عليهما من السماء شيء يشبه السفرة، ودعوان فأكلت معهما، وإذا فيها كمأة ورمان وحوت وكرسف، فلما أكلت قمت فتنحيت، فجاءت سحابة فحملته، وأنا أنظر إلى بياض ثيابه فيها تهوي قبل السماء. انتهى."