فهرس الكتاب

الصفحة 1534 من 2232

قوله: {شُكْرًا} مفعول لأجله، أي اعملوا لأجل الشكر لله، على ما أعطاكم من تلك النعم العظيمة التي لا تضاهى، وهذا أعظم المقاصد، وهو العمل لأجل شكر الله على نعمه، فالواجب على العباد خدمة الله وطاعته لذاته وسابق نعمه عليهم حيث أوجدهم من العدم، وجعل لهم السمع والبصر والأفئدة والعافية، وغير ذلك من أنواع النعم التي لا تحصى.

قوله: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} أي لكون هذا المقصد عزيزًا، لم يوفق إلا القليل من الناس، وغالب الناس عبادتهم وطاعتهم، إما لأجل طلب الدنيا، أو خوفًا من النار وطمعًا في الجنة.

فائدة - من جملة عمل الجن لسليمان بيت المقدس، وذلك أن داود ابتدأ بناءه في موضع فسطاط موسى التي كان ينزل فيها، فرفعه قدر قامة، فأوحى الله إليه لم يكن تمامه على يديك، بل على يد ابن لك اسمه سليمان، فلما قضى على داود، واستخلف سليمان وأحب إتمامه، جمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال، فأرسل بعضهم في تحصيل الرخام، وبعضهم في تحصيل البلور من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح، فلما فرغ منها، ابتدأ في بناء المسجد، فوجه الشياطين فرقًا منهم من يستخرج الجواهر واليواقيت والدر الصافي في أماكنها، ومنهم من يأتيه بالمسك والطيب والعنبر من أماكنه، فأتي من ذلك بشيء كثير، ثم أحضر الصناع لنحت تلك الأحجار، واصلاح تلك الجواهر، وثقب تلك اليواقيت واللآلئ، فبناه بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وجعل عمده من البلور الصافي، وسقفه بأنواع الجواهر، وبسط أرضه بالعنبر، فلم يكن على وجه الأرض يومئذ بيت أبهى ولا أنور منه، فكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، فلم يزل على هذا البناء حتى غزاه بختنصر، فخرب المدينة وخدمه، وأخذ ما فيه من الذهب والفضة وسائر أنواع الجواهر، وحمله إلى ملكه بالعراق حين بطرت بنوا إسرائيل النعم، وقتلوا زكريا ويحيى، وكان ابتداء بيت المقدس في السنة الرابعة من ملك سليمان، وكان عمره سبعًا وستين سنة، وملك وهو ابن سبع عشرة، وكان ملكه خمسين سنة، وقرب بعد فراغه منه، اثني عشر ألف ثور، ومائة وعشرين ألف شاة، واتخذ اليوم الذي فرغ فيه من بنائه عيدًا، وقام على الصخرة رافعًا يديه إلى الله تعالى بالدعاء وقال: اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان، وقويتني على بناء هذا المسجد، اللهم فأوزعني شكرك على ما أن أنعمت علي، وتوفني على ملتك، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرت له وتبت عليه، ولا خائف إلا أمنته، ولا سقيم إلا شفيته، ولا فقير إلا أغنيته والخامسة أن لا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه، إلا من أراد إلحادًا، أو ظلمًا يا رب العالمين، وروي أن سليمان لما بنى بيت المقدس، سأل الله تعالى خلالًا ثلاثًا: حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله تعالى ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله حين فرغ من بنائه، أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، إذا علمت ذلك، فبيت المقدس تم بناؤه وهو حي، وهو الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت