ثم قال الغزاليّ: وأما قوله - أي: الجاحظ -: كيف يكلفهم ما لا يطيقون ؟ قلنا: نعلم ضرورة أنه كلفهم ، أما أنهم يطيقون أو لا يطيقون ، فلننظر فيه ، بل نبه الله تعالى على أنه أقدرهم عليه بما رزقهم من العقل ، ونصب من الأدلة ، وبعث من الرسل المؤيدين بالمعجزات ، الذين نبّهوا العقول ، وحركوا دواعي النظر ، حتى لم يبق على الله لأحد حجة بعد الرسل . وقوله: {وَالَّذِينَ هَادُواْ} أي: تهودوا . يقال: هاد يهود ، وتهوّد ، إذا دخل فِي اليهودية . هو هائد ، والجمع هود . وهم أمة موسى عليه السلام ، وإنما لزمهم هذا الاسم ؛ لأن الإسرائيليين الذين رجعوا من جلاء سبعين سنة ، ومن سبي بابل إلى وطنهم القديم ، كان أكثرهم من نسل يهوذا بن يعقوب - بالذال المعجمة ، فقلبتها العرب دالاً مهملة - .
وقوله تعالى: {وَالنَّصَارَى} جمع نصران ، كندامى جمع ندمان ، يقال: رجل نصران ، وامرأة نصرانية ، والياء فِي نصرانيّ للمبالغة ، كما فِي أحمريّ ، سُموا بذلك لأنهم نصروا المسيح عليه السلام . كذا فِي"الكشاف"أو هو جمع نصرانيّ ، مغير عن ناصريّ نسبة إلى ناصرة ، القرية المعروفة . وقد نسب إليها المسيح عليه السلام ، لأنه رُبِّيَ بها . وجاء فِي الإنجيل: يسوع الناصري .
وقوله تعالى: {والصابئين} جمع صابئ ، ويقال لهم الصابئة . قال ابن جرير: الصابئ هو المستحدث ، سوى دينه ، ديناً ، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه . وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب: صابئاً . يقال منه: صبا فلان يصبو صباء ، ويقال: صبأت النجوم إذا طلعت .