{فإن لكم ما سألتم} : هذه الجملة جواب للأمر ، كما يجاب بالفعل المجزوم ، ويجري فيه الخلاف الجاري فيه: هل ضمن اهبطوا مصراً معنى أن تهبطوا أو أضمر الشرط ؟ وفعله بعد فعل الأمر كأنه قال: أن تهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم ، وفي ذلك محذوفان: أحدهما: ما يربط هذه الجملة بما قبلها ، وتقديره: فإن لكم فيها ما سألتم.
والثاني: الضمير العائد على ما ، تقديره: ما سألتموه ، وشروط جواز الحذف فيه موجودة.
وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب: سألتم: بكسر السين ، وهذا من تداخل اللغات ، وذلك أن فِي سأل لغتين: إحداهما: أن تكون العين همزة فوزنه فعل.
والثانية: أن تكون العين واواً تقول: سأل يسأل ، فتكون الألف منقلبة عن واو ، ويدل على أنه من الواو ، وقولهم: هما يتساولان ، كما تقول: يتجاوبان ، وحين كسر السين توهم أنه فتحها ، فأتى بالعين همزة ، قال الشاعر:
إذا جئتهم وسأيلتهم ...
وجدت بهم علة حاضره
الأصل ساءلتهم ، والمعروف إبدال الهمزة ياء ، فتقول: سايلتهم ، فجمع بين العوض وهو الياء ، وبين المعوض منه وهو الهمزة لكنه لما اضطر قدم الهمزة قبل ألف فاعل.
وقال ابن جني: يحتمل أن يكون إبدال الهمزة فِي سألتم ياء ، كما أبدلت ألفاً فِي قوله:
سألت هذيل رسول الله فاحشة ...
فانكسر السين قبل الياء ، ثم تنبه للهمز فهمز.
والمعنى: ما سألتم من البقول والحبوب التي اخترتموها على المن والسلوى.
وقيل: ما سألتم من اتكالكم على تدبير أنفسكم فِي مصالح معاشكم وأحوال أقواتكم.
{وضربت عليهم الذلة والمسكنة} : معنى الضرب هنا: الإلزام والقضاء عليهم ، من ضرب الأمير البعث على الجيش ، وكقول العرب: ضربة لازم ، ويقال: ضرب الحاكم على اليد ، وضرب الدهر ضرباته ، أي ألزم إلزاماته ، وقيل: معناه الإحاطة بهم والاشتمال عليهم مأخوذ من ضرب القباب.
ومنه قول الفرزدق:
ضربت عليك العنكبوت بنسجها ...
وقضى عليك بها الكتاب المنزل