{اهبطوا مصراً} : فِي الكلام حذف على تقدير أن القائل: {أتستبدلون} هو موسى ، وتقدير المحذوف ، فدعا موسى ربه فأجابه ، {قال اهبطوا} وتقدّم معنى الهبوط ، ويقال: هبط الوادي: حل به ، وهبط منه: خرج ، وكان القادم على بلد ينصبّ عليه.
وقرئ اهبطوا ، بضم الباء ، وهما لغتان ، والأفصح الكسر ، والجمهور على صرف مصراً هنا.
وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وأبان بن تغلب: بغير تنوين ، وبين كذلك فِي مصحف أبي بن كعب ، ومصحف عبد الله ، وبعض مصاحف عثمان.
فأما من صرف فإنه يعني مصراً من الأمصار غير معين ، واستدلوا بالأمر بدخول القرية ، وبأنهم سكنوا الشام بعد التيه ، وبأن ما سألوه من البقل وغيره لا يكون إلا فِي الأمصار ، وهذا قول قتادة والسدي ومجاهد وابن زيد.
وقيل: هو مصر غير معين لكنه من أمصار الأرض المقدسة ، بدليل: ادخلوا الأرض المقدسة.
وقيل: أراد بقوله: مصراً وإن كان غير معين مصر فرعون ، وهو من إطلاق النكرة ، ويراد بها المعين ، كما تقول: ائتني برجل ، وأنت تعني به زيداً.
قال أشهب ، قال لي مالك: هي مصر قريتك مسكن فرعون.
وأجاز من وقفنا على كلامه من المعربين والمفسرين أن تكون مصر هذه المنوّنة هي الاسم العلم.
والمراد بقوله: {أن تبوّآ لقومكما بمصر بيوتاً} قالوا: وصرف ، وإن كان فيه العلمية والتأنيث ، كما صرف هند ودعد لمعادلة أحد السببين ، لخفة الاسم لسكون وسطه ، قاله الأخفش ، أو صرف لأنه ذهب باللفظ مذهب المكان ، فذكره فبقي فيه سبب واحد فانصرف.
وشبهه الزمخشري فِي منع الصرف ، وهو علم بنوح ولوط حيث صرفا ، وإن كان فيهما العلمية والعجمة لخفة الاسم بكونه ثلاثياً ساكن الوسط ، وهذا ليس كما ذهبوا إليه من أنه مشبه لهند ، أو مشبه لنوح ، لأن مصر اجتمع فيه ثلاثة أسباب وهي: التأنيث والعلمية والعجمة.