الثالث: أن التفضيل يقع من جهة الطيب واللذة ، والمن والسلوى لا شك أنهما أطيب من البقول التي طلبوها.
الرابع: أن المنّ والسلوى لا كلفة فِي تحصيله ولا تعب ولا مشقة ، والبقول لا تحصل إلا بعد مشقة الحرث والزرع والخدمة والسقي ، وما حصل بلا مشقة خير مما حصل بمشقة.
الخامس: أن المنّ والسلوى لا شك فِي حله وخلوصه لنزوله من عند الله ، والحبوب والأرض يتخللها العيوب والغصوب ويدخلها الحرام والشبهة ، وما كان حلاً خالصاً أفضل مما يدخله الحرام والشبهة.
السادس: أن المنّ والسلوى يفضلان ما سألوه من جنس الغذاء ونفعه.
وملخص هذه الأقوال: هل الأدنوية والخيرية بالنسبة إلى القيمة ، أو امتثال الأمر وما يترتب عليه ، أو اللذة ، أو الكلفة ، أو الحل ، أو الجنس ؟ أقوال ستة.
وأما قراءة زهير فهي من الدناءة.
وقد تقدم أن أدنى غير المهموز قيل إن أصلها الهمزة فسهل كهذه القراءة ، ومن قال بالقلب وإن أصله أدون ، فالدناءة والدون راجعان إلى معنى واحد ، وهو الخِسة ، وهو من جهة المعنى أحسن مقابلة لقوله: {بالذي هو خير} .
ومن جعل أدنى بمعنى أقرب ، لأن الأدون والأدنأ يقابلهما الخير ، والأدنى بمعنى الأقرب يقابله الأبعد ، وحذف من ومعمولها بعد قوله: هو خير ، لما ذكرناه فِي قوله: هو أدنى ، من وقوع أفعل التفضيل خبراً وتقديره: منه ، أي من: {الذي هو أدنى} .
وكانت هاتان الصلتان جملتين إسميتين لثبوت الجملة الإسمية ، وكان الخير أفعل التفضيل ، لأنه لا دلالة فيها على تعيين زمان ، بل فِي ذلك إثبات الأدنوية والخيرية من غير تقييد بزمان ، بخلاف الجملة الفعلية ، فإنه كان يتعين الزمان ، أو يتجوز فِي ذلك ، إن لم يقصد التعيين ، فكان الوصل بما هو حقيقة فِي عدم الدلالة على التعيين أفصح ، وكانت صلة ما فِي قوله: مما تنبت ، جملة فعلية ، لأن الفعل عندهم يشعر بالتجدد والحدوث ، والإنبات متجدد دائماً ، فناسب كل مكان ما يليق به من الصلة.