ورغبة الإنسان فيما اعتاده ، وإن كان خسيساً ، فوق رغبة ما لم يعتده ، وإن كان شريفاً ، ولأن ذلك يكون سبباً لانتقالهم عن التيه الذي ملوه ، لأن تلك الأطعمة لا توجد فيه ، فأرادوا الحلول بغيره ، ولأن المواظبة على طعام واحد سبب لنقص الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة ، والاستكثار من الأنواع بعكس ذلك.
فثبت بهذا أن تبديل نوع بنوع يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء ، وثبت أنه ليس فِي القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه ، فثبت أنه لا يجوز أن يكون معصية.
ومما يؤكد ذلك قوله: {اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم} هو كالإجابة لماطلبوا.
ولو كانوا عاصين فِي ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية ، وهي غير جائزة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ووصف الطعام بواحد ، وإن كان طعامين ، لأنه المنّ والسلوى اللذان رزقوهما فِي التيه ، لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل ، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عديدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها قيل: لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً ، يراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف.
ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والسرف ، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات ، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة ، كالحبوب والبقول ونحوهما.
ذكر هذين الوجهين فِي معنى الواحد الزمخشري.
وقيل: أعاد على لفظ الطعام من حيث أنه مفرد لا على معناه.
وقيل: كانوا يأكلون المن والسلوى مختلطين ، فيصير بمنزلة اللون الذي يجمع أشياء ويسمى لوناً واحداً ، قاله ابن زيد.
وقيل: كان طعامهم يأتيهم بصفة الوحدة ، نزل عليهم المن فأكلوا منه مدة حتى سئموه وملوه ، ثم انقطع عنهم ، فأنزل عليهم السلوى فأكلوها مدة وحدها.
وقيل: أرادوا بالطعام الواحد السلوى ، لأن المن كان شراباً ، أو شيئاً يتحلون به ، وما كانوا يعدون طعاماً إلا السلوى.