قال السلمي: مشرب كل أحد حيث أنزله رائده ، فمن رائده نفسه مشربه الدنيا ، أو قلبه فمشربه الآخرة ، أو سره فمشربه الجنة ، أو روحه فمشربه السلسبييل ، أو ربه فمشربه الحضرة على المشاهدة حيث يقول: {وسقاهم ربهم شراباً طهوراً} طهرهم به عن كل ما سواه ، وبدئ بالأكل لأنه المقصود أولاً ، وثنى بالشرب لأن الاحتياج إليه حاصل عن الأكل ، ولأن ذكر المن والسلوى متقدم على انفجار الماء.
{من رزق الله} ، من: لابتداء الغاية ، ويحتمل أن تكون للتعبيض.
ولما كان مأكولهم ومشروبهم حاصلين لهم من غير تعب منهم ولا تكلف ، أضيفا إلى الله تعالى ، وهذا التفات ، إذ تقدم فقلنا: اضرب ، ولو جرى على نظم واحد لقال: من رزقنا ، إلا إن جعلت الإضمار قبل كلوا مسنداً إلى موسى ، أي وقال موسى: {كلوا واشربوا} فلا يكون فيه التفات ، ومن رزق الله متعلق بقوله: واشربوا ، وهو من إعمال الثاني على طريقة اختيار أهل البصرة ، إذ لو كان من أعمال الأول لأضمر فِي الثاني ما يحتاجه ، فكأن يكون: كلوا واشربوا منه ، من رزق الله ، ولا يجوز حذف منه إلا فِي ضرورة على ما نص بعضهم ، والضرورة والقليل لا يحمل كلام الله عليهما.
والرزق هنا هو المرزوق ، وهو الطعام من المن والسلوى ، والمشروب من ماء العيون.
وقيل: هو الماء ينبت منه الزروع والثمار ، فهو رزق يؤكل منه ويشرب ، وهذا القول يكون فيه من رزق الله ، يجمع فيه بين الحقيقة والمجاز ، لأن الشرب من الماء حقيقة ، والأكل لا يكون إلا مما نشأ من الماء ، لا أن الأكل من الماء حقيقة ، فحمل الرزق على القدر المشترك بين الطعام والماء أولى من هذا القول.