إن قيل: ما الذي كانوا يكتبونه؟ قيل: روي عن بعض السلف أن رؤساء اليهود كانوا يغيرون من التوراة نعت النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يقولون هذا من عند الله. وهذا فصل يحتاج إلى فضل شرح. وهو أنه يجب أن يتصور أن كل نبيّ أتى بوصف لنبيّ بعده، فإنه أتى بلفظة معرّضة وإشارة مدرجة، لا يعرفها إلا الراسخون فِي العلم. وقد قال العلماء: ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بإشارات، ولو كان ذلك متجلياً للعوامّ لما عوتب علماؤهم فِي كتمانه، ثم ازداد ذلك غموضاً بنقله من لسان إلى لسان؛ من العبرانيّ إلى السريانيّ إلى العربيّ، وقد ذكر المحصلة ألفاظاَ من التوراة والإنجيل، إذا اعتبرت وجدت دالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بتعريض، هو عند الراسخين فِي العلم جليّ، وعند العامة خفيّ. فبان بهذه الجملة أن ما كتبت أيديهم كانت تأويلات محرّفة، وقد نبه الله تعالى بالآية على التحذير من تغيير أحكامه، وتبديل آياته، وكتمان الحق عن أهله، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طمعاً فِي عرض الدنيا، وقد تقدم أنه عنى بالثمن القليل، أعراض الدنيا وإن كثرت؛ لقوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77] . [إلى هنا] كلام الراغب رحمه الله. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 2 صـ 375 - 377}