ويجوز فِي الآية معنى آخر ؛ أي: فويل للذين يكتبون كتاب التوراة بأيديهم ثم يقولون: هذا من عند الله ، فيشهدون بذلك ، وكان من مقتضى كتابتهم بأيديهم التي تقفهم من الكتاب على ما لا يقفون عليه ، لو كان كتابة غيرهم ، ومقتضى قولهم وإقرارهم بأنه من عند الله الوقوف مع عهوده ومواثيقه ، إجلالاً لمنزله وموحيه ، ودعوى الناس إلى ظواهره وخوافيه ، ولكن لم يكن ذلك منهم ، بل كان أن حرّفوا كلمه عن مواضعه ليشتروا به ثمناً قليلاً . وحاصل هذا الوجه إبقاء الكتاب المكتوب على أصله ، وصدقهم فِي قولهم: هذا من عند الله . ثم مخالفتهم لذلك . فيكون قوله تعالى: {لِيَشْتَرُواْ بِهِ} تعليلاً لمحذوف دل عليه السياق . أي: ثم بعد ذلك يحرفونه ثم ليشتروا به ، وهو وجه جيد يوافق آية: {يحرفون الكلم عن مواضعه} وربما يشير إلى هذا الوجه قول مجاهد فيما رواه ابن جرير: هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله يحرفونه: {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: فشدة العذاب لهم مما غيرت أيديهم: {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} يصيبون من الحرام والسحت .
قال الراغب: إن قيل: لِمَ ذكر: {يكسبون} بلفظ المستقبل و: {كتبت} بلفظ الماضي ؟ قيل: تنبيهاً على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة )
فنبه بالآية أن ما أضّلوه وأثبتوه من التأويلات الفاسدة ، التي يعتمدها الجهلة ، هو اكتساب وزر يكتسبونه حالاً فحالاً . وإن قيل: لم ذكر الكتابة دون القول . قيل: لمّا كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة عليه ؛ إذ هو كذب باللسان واليد ، صار أبلغ ؛ لأن كلام اليد يبقى رسمه والقول يضمحل أثره .