الرابعة: فِي هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة فِي الشرع، فكل من بدّل وغيّر أو ابتدع فِي دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم؛ وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّته لما قد علم ما يكون فِي آخر الزمان فقال:"ألاَ إنّ مَن قبلكم مِن أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين مِلّة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها فِي النار إلا واحدة"الحديث، وسيأتي.
فحذّرهم أن يُحدِثوا من تلقاء أنفسهم فِي الدِّين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيُضِلّوا به الناس؛ وقد وقع ما حذّره وشاع، وكثر وذاع؛ فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
الخامسة: قوله تعالى: {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} وصف الله تعالى ما يأخذونه بالقِلة؛ إمّا لفنائه وعدم ثباته، وإمّا لكونه حراماً؛ لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله.
قال ابن إسحاق والكلبي: كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي كتابهم رَبْعة أسمر؛ فجعلوه آدم سَبْطاً طويلاً، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي يُبعث فِي آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا.
وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب؛ فخافوا إن بيّنُوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم؛ فمِن ثَمّ غيّروا.
ثم قال تعالى: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} قيل من المآكل.
وقيل من المعاصي.
وكرَّر الويل تغليظاً لفعلهم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 7 - 9}